​"غزيون صغار" تحت "ضنك العيش"

يعملون في جمع الـحجارة وكتل الخرسانة

غزة - الحياة الجديدة- نادر القصير- على عربة متهالكة، كان الطفل أمير عرمانة يضع كل حجر أو كتلة خرسانة يجدها في الشارع أو قرب بقايا مبنى مهدوم أو منزل قيد الإنشاء، محاولا ملء عربته الصغيرة، لبيعها إلى أحد صانع الطوب المنتشرة في محافظة رفح.

عرمانة ويبلغ من العمر (14) عاما لم يتمكن من إكمال تعليمه المدرسي، واكتفى بشهادة الابتدائية، يغادر منزله، كل صباح، يجول شوارع وأحياء مدينة رفح، وبالكاد يستطيع طول اليوم ملء عربة أو اثنتين على الأكثر واصفا مهنته بالشاقة وتتطلب التجول والعمل ساعات طويلة في النهار، فليس كل الحجارة تصلح لتحويلها إلى حصمة بواسطة الكسارات تمهيدا لصناعة الطوب، موضحا أنهم يجمعون الزلط الجبلي وهو قليل ونادر، وكتل الخرسانة، إضافة إلى بقايا الطوب المصنع فقط.

وأوضح أنه كلما ملأ عربته توجه فيها إلى أحد مصانع الطوب، لبيعها بمبلغ يتراوح ما بين 15-20 شيقلا، وفي أفضل الأيام يحصل على مبلغ قد لا يتجاوز 30 شيقلا، يذهب نصفها لإطعام الحيوان مبينا أنه يمارس عمله الشاق وقليل العائد المادي مكرها، مشيرا إلى أن ظروفهم المعيشية الصعبة لا تسمح له بالاختيار وأعرب عن أمله بتحسن الظروف والأوضاع، وإيجاد فرصة عمل أقل مشقة وأكثر عائدا.

أعمال شاقة

ولم يكن حال الطفل أحمد عبد الله بأفضل من "عرمانة"، فهو يركز عمله على مناطق شرق مدينة رفح، بالقرب من مكان سكنه وبالذات في محيط المنازل المقصوفة قديما وغطت أنقاضها الرمال، ويقضي في كل يوم ما يزيد على العشر ساعات بالتنقيب عن ركام الحجارة وكتل الخرسانة من أجل ملء دراجته ثلاثية العجلات "توك توك"، بالحجارة وركام المنازل، أكثر من مرة ليبيعها لأصحاب الكسارات.

 وكانت والدته "أم أحمد 50عاما"، اشترت له "التوكتوك" بعد أن توفي والده ولم يبق لها ولأخوته معيل غيره ، وبدت يدا عبد الله السمراوتان وقد غطتها الخدوش  من أثر رفع الحجارة وإنزالها من الدراجة، واشتكى من كثرة تعطل الأخيرة وحاجتها لمصروفات كبيرة نظرا للحمولة الزائدة، والسير في شوارع ترابية وعرة، أما والدته التي جلست على باب ورشة تصليح الدراجات النارية في انتظار الانتهاء من تصليح دراجة ابنها أنها لا تمتلك حلا سوى مواصلة عمل أحمد ، فعائلتها بحاجة إلى طعام ومتطلبات يومية، وهو يثابر لتوفير الحد الأدنى منها.

ولم تخف "أم أحمد" وجود الكثير من المخاطر في مهنته ابنها ، بعضها الآن والبعض الآخر مستقبلي، فقد تكون المباني المقصوفة تحتوي على بقايا صواريخ ومتفجرات قد تنفجر في أية لحظة، وهذا أمر تكرر كثيرا، كما أن حجارة تلك المباني قد تكون مشبعة بمواد مشعة أو مسرطنة قد تصيبه بأمراض خطيرة مستقبلا إلا أنها لا تحاول توجيهه لحماية نفسه بكل الطرق الممكنة ، مشيرة إلى انه يلقى تعاطفا خاصا من أصحاب مصانع الحجارة  ويفضلون التعامل معه عن غيره ، وعلى الرغم من ملامحه الطفولية نظرا لصغر سنه إلا أن سلوكه رجولي في البيع والشراء وأحيانا يقوم باستخدام دراجته بنقل بعض الأثاث للناس ولكن بشرط أن يقوم أصحابها بالتحميل والتنزيل، لأنه لا يقدر على ذلك مشيرة إلى أنها في البداية هي من تابعت الاتفاق على البيع والشراء وقامت بمرافقته لفترة حتى أصبح يمارس عمله بمهنية عالية وأدرك كيفية التعامل مع الناس بجدارة.

صعاب ومخاطر

ويواجه العديد من أولئك الفتية مشاكل كثيرة خلال عملهم أهمها ما يلقى عليهم من تهم من حين لآخر عند اختفاء بعض معدات البناء من محيط مبان قيد الإنشاء أو براميل مياه ، أو مواد بناء كالاسمنت والحجارة الجديدة.

ويؤكد أبو نضال عمير احد أصحاب المباني قيد الإنشاء أنه تفاجأ بان المقاول يتصل عليه ويبلغه بفقدان كمية من الاسمنت وبرميل مياه وبعض معدات العمل التي تركها في محيط المنزل، وعندما سألنا الجيران في المنطقة جميعهم وجهوا أصابع الاتهام للأطفال والفتية الذين يقومون بجمع الركام، وعند تحديد رواد المنطقة منهم وتم استدعاؤهم للشرطة ولكن تبين لاحقا براءتهم وأن غيرهم من فعل ذلك ويؤكد عمير أنه شعر بندم كبير لأنه اكتشف بأنهم فئة تسعى للقمة العيش بشرف وزاد احترامه لهم.

لقمة عيش بشرف

ويقول صاحب مصنع طوب وكسارة سمير أبو عوض، إنه يشتري الحجارة والزلط ومخلفات المباني من فتية وشبان يأتون بها إلى مصنعه، وهي توفر لهم حصمة لصناعة الطوب، ويتم استغلالها لتدوير استعمالها مرة أخرى بدلا من بقائها في الشوارع وبين المناطق السكنية لتكون ملجأ للقوارض والزواحف، ومن ناحية أخرى يساهم في تقليل كلفة إنتاج الطوب ويفتح فرصة عمل لأولئك الأطفال والفتية الذين يبحثون عن لقمة عيش بشرف.

وأكد أن ثمن العربة أو دراجة "توك توك" يتوقف على كمية ونوعية الحجارة التي تحويها، ففي الغالب يتراوح ثمن الواحدة منها ما بين 15-20 شيقلا، ويتم نقل الحجارة فور شرائها للكسارة، لتحويلها إلى حصمة، ويبدأ بصناعة الطوب بأحجامه المختلفة، لبيعه لمواطنين ينشئون منازل أو مباني.

وأكد أبو عوض أن مهنتهم بإعادة تصنيع الركام تواجه الكثير من الصعاب، أبرزها صعوبة توفير المواد الخام، واعتمادهم على الكسارات المؤذية، خاصة أن غبارا كثيفا يصدر عنها خلال تحويل الحجارة إلى حصمة، لكنها في المقابل موفرة، خاصة في الوقت الذي تتراجع فيه المبيعات بسبب ارتفاع أسعار مواد البناء، وإقبال قلة من المواطنين على البناء.