رواية "جنّة.." للفلسطينية حوامدة: هل تتصوّر دولةً لشعبين؟!

عمر شبانة*

بعد روايتها الأولى "لا قمر بعيد" (القاهرة، 2014)، المطبوعة بروح رومانسية، والمسكونة بآلام الحبّ وآماله، من خلال تأمّلات رقيقة لعاشقين فرّقتهما ظروف الحياة، ثم عادت وجمعتهما في لقاء ينطوي على الكثير من المفارقات والمفاجآت.. تخطو الكاتبة الفلسطينية الشّابّة ثورة حوامدة(1990)، خطوة أشدّ متانة في طريق الرواية، وذلك بروايتها الثانية "جنّة.. لم تسقط تُفّاحتها" (دار الأهلية، عمّان- الأردن 2018)، فتقدّم نصًّا مختلفًا في المضمون والرؤية الفنية والموضوعية.

في روايتها الأولى كتبت حوامدة  قصة العلاقة مع الوطن والأرض ورفض الهجرة، بنفَس رومانسي ينطوي على شيء من الصوفية، فهي رواية الشاعر الطامح بالحب والإنجازات، والفتاة العاشقة للشاعر، ولكن المتمسكة بوطنها، والرافضة لدعوته لها إلى السفر معه والزواج "لا أؤمن بالسفر من أجل زواج في الغربة، وسط كومة من العادات والتقاليد التي تلازمني منذ الأمد الأول لولادتي". وهي رواية تجريدية تقوم على التأمّلات الذاتية، والحسّ الرومانسيّ الممزوج بنفَس صوفي يظهر من البداية كما في عبارة التصدير هذه "لا قبل قبلك شيء.. ولا بعد بعدك أي شيء". أو كما في التقديم: في الحب نعلن بداية الوجود والتواجد والتجديد. في الحب نسعى لنشقى فرحًا. في الحب نكرّس كل لحظة فينا لنعيشها كما هي. في الحب إن لم تكن التيارات القادمة قوية فلن نتمسك باختياراتنا. وحده الحب يجعلك تشعر بأنك ولدتَ من جديد أو متَّ للأبد".. أو كما في واحد من تأملاتها "في الحب ما من نبضة خرجت إلا وأحدثت ضجة، ورعًا، حكمة، خوفًا، تقوى، خشوعًا، رغبة". 

 

أما روايتها الجديدة، فتنطوي على قصتين منفصلتين ومتّصلتين في آن، قصتين ليس مُهمًّا مدى واقعيّتهما، بل المهم هو ما ترمز إليه كلّ منهما. الأولى قصة الفتاة الفلسطينية المناضلة عائشة، التي تعيش في فلسطين المحتلة 1967، وإصرارها على تلبية رغبة/ وصيّة جدّتها عائشة في أن تدفن في مدينتها يافا، التي تصفها بالـ"جنّة.." كما هو واضح في عنوان الرواية، وتحاول تلبية هذه الرغبة رغم كل الحواجز والمخاطر.

والقصة الثانية هي قصة الإسرائيلي/ اليهودي ديفيد التي تبدأ بخضوعه لعملية زراعة قلب، ثم اكتشافه أنّ هذا القلب هو لشاب فلسطينيّ تعرّض للقتل برصاص إسرائيليّ، وقبل وفاته جرى انتزاع قلبه ليُزرع في جسد ديفيد، وقد تمّ هذا بأوامر من والد ديفيد الذي هو ضابط مخابرات، فتبدأ رحلة الشاب ديفيد في البحث عن الفلسطيني صاحب هذا القلب، بمساعدة صديق فلسطينيّ من عرب 1948.. وسط رفض والده لهذا البحث، وتغاضي والدته التي تعمل في مجال الإعلام وحقوق الإنسان.

تنفتح الرواية على عائشة (الحفيدة) في زنزانة منفردة، تفكّر وتتأمّل وتتذكّر محطّات من حياتها وحياة عائلتها، والدها ووالدتها وجدّها، والأهمّ هي جدّتها التي سمّيت باسمها، وتجمعها تفاصيل كثيرة بها. وتستغلّ ذكرياتها معها لوصف يافا (وفلسطين عمومًا) ووصف جمالها وتاريخها ومعاناتها. وتلقي الكاتبة/ البطلة أضواء ساطعة على أحياء وقرى ومخيّمات، وتسير بنا في مسارات حياة صعبة اجتماعيًا واقتصاديًا وسياسيّا وأمنيّا، وصولًا إلى وفاة الجدّة عائشة، حيث تبدأ التحضيرات- سرًّا- لتنفيذ الوصية، ونقل الجدّة إلى يافا (الجنّة)، وكيفيّة تجاوز الصعوبات التي تبلغ حدود المستحيل. لكنّ سائقًا يتبرع بالقيام بمهمّة النقل، وبعد تخطّي عدد من الحواجز، ومع الاقتراب من الهدف، يتعرّض لدورية تقوم بمطاردته، فتسقط عائشة (الحفيدة) نفسَها من السيارة، مضحية بنفسها لتنجو جثة الجدة، فيتمّ اعتقالها، من دون أن تعرف مصير جدّتها.

أما ديفيد، فبعد بحث دام مدّة، تنقّل خلاله مع صديقه العربيّ، وتخلّى عن حبيبته، وابتعد عن عائلته، خصوصًا عن والده الذي تبيّن له (لديفيد) شراسة هذا الوالد ووحشيّته مع المعتقلين، واستدلّ عبر الإنترنت على قرية الشابّ العربيّ (الشهيد)، وزار عددا من القرى، وتناول الطعام والشاي مع عائلات عربية، ديفيد هذا وجد نفسه مع العرب في أجواء حميمية، ووجدهم بشرًا طبيعيين، بل كرماء، رغم تواضع أحوالهم المعيشية،، فيبدأ تصاعد التحوّل في شخصيّته وتفكيره تجاههم، ويغدو اسمه داوود بدل ديفيد، ويتساءل "أهذا القلبُ هو فلسطين التي نحاصرها؟ وتصمت بالقوة لإحكامنا السيطرة عليها بالقوة؟". ثم يضيف أمام مشهد للمواجهة "تكتلٌ واضحٌ كان لشبانٍ يواجهون سياراتٍ عسكريةٍ، على بُعد مائتي مترٍ من حاجز حوّارة، وقنابل الغاز المسيل للدموع انطلقت من بنادق جنودنا واحدةً تلو الأخرى، وأشجار زيتون وقفت بالمرصاد.. وتَجمع لصبيةٍ حملوا في أيديهم حجارة، يقذفونها في وجه بنادقنا، ثم يعاودون تشبيك أياديهم لإتمام رقصتهم". ثم يتعرّف على فتاة هي حبيبة الشاب الشهيد، ويراها في مواجهة مع الجنود، فيصرخ بهم وكأنهم سيقتلونه هو "وبصوتٍ عالٍ، بالعبرية، أخذت أصرخ بقوة أمام جنود مدجّجين بالموت على مسافة ليست بالبعيدة:

_ لا تقتلوني أكثر من ذلك!

_لا تقتلوها مرتين"!

ومن دون أن تسقط في التصوير الميلودرامي الفج، تلجأ الكاتبة إلى المشاهد الدراميّة والتراجيديّة لتصوير هذه المواجهات بين الشبّان العرب والجنود الصهاينة، وتصف تدخّلات ديفيد إلى الجانب العربي بقدر من الحرارة. بل تتركه يُبدي إعجابه ودهشته أمام الكثير من الحب والجمال.

نحن إذن حيال "وقائع" ذات طبيعة رمزية، في القصّتين. ففي قصة عائشة نحن أمام إصرار الفلسطينيّ على العودة إلى مسقط رأسه وموطنه وموطن أجداده، ولو عاد إليها مَيْتًا. هذا من جهة، ومن جهة أخرى رمزية قصة ديفيد، حيث يمكن القول إن الكاتبة ترى، عبر بطلتها عائشة (الحفيدة)، أنّ قلب الشابّ العربيّ قد أعاد الحياة لهذا الشابّ اليهوديّ، لأنّ ديفيد فنّان أولا، وغير متزمّت وليس عنصريًّا. بل إن الرواية "تقول" إن القلب العربيّ/ الفلسطينيّ هذا، هو ما جعل اليهوديّ (إنسانيًّا) ويقف إلى جانب الحقّ والكفاح الفلسطينيّ، وإنه لو تمّ هذا اللقاء بين العربيّ واليهوديّ (وليس الصهيونيّ) لجرى التوافق، وربّما حلّ السلام. 

تطرح علينا هذه الرؤية سؤال "ما الحلّ للصراع العربي الصهيونيّ؟". وهل تؤمن الكاتبة أن الحل، مثلًا، هو في دولة واحد للعرب واليهود، بعد زوال الصهيونية؟ بعد زوال دولة إسرائيل ووحشيّتها؟

ثمّة في الرواية إشارات وتلميحات إلى تعايش العرب واليهود قبل انفجار الصراع، وقبل قيام الصهاينة بالتحضير لإقامة دولتهم على أنقاض الوطن الفلسطيني، ما يجعل ثمّة إمكانية لهذه القراءة، وإمكانية أن تعود حيفا (وفلسطين عمومًا) لتكون "جنّة.. لم تسقط تفّاحتها"، وتكون رواية ثورة حوامدة دخلت منطقة لم  يسبق أن قرأتُ أن ثمّة رواية قد دخلتها بمثل هذا الوضوح الرمزيّ.. "فلسطين هذه الجنة التي لم تسقط تفاحتها بعد، وإن سقطت؛ فستسقط معها هذه المَهزلة القدرية، هذه الدولة الكبيرة المستكبرة، المتعالية العنجهية، عديمة الديمقراطية..".

كتبت ثورة روايتها بلغة وتصوير يتّسمان بقدر من الشاعرية، على مستوى التعبير والمشاهد ذات الشفافية، متقدّمة على روايتها الأولى في نضج العبارة والاستعارات، ما يبشّر بمستوى متقدّم في أعمال قادمة.

شاعر وصحفي فلسطيني يعيش في الاردن*