رماد الحياة

دينا سليم حنحن

سرّحت شعرها الطاعن بالسواد فانتشر الرماد في الأنحاء، تسلّك ما علق منه  بين أسنان الفرشاة الغليظة، نزعت الخصال الملوثة بنثار المحروقات بكل عصبية بأناملها الخشنة، ثم كبكبتها قبل أن تلقيها في الحاوية، وعندما بدأت تنظف ما علق داخل أنفها استوقفتها وسألتها بحدة عن سبب وجودي الاضطراري في بيتها.

تعمل "نهرين" في جمع رماد الأجساد المحروقة، في مقبرة أعدت لحرق أجساد الموتى الذين لا هوية لهم، أو الذين أوصي بهم بأن تحرق جثثهم بعد وفاتهم.

فظاهرة حرق الموتى عادة موغلة بالقدم، تشير الآثار بأن أقدم الطقوس حدثت قرب بحيرة مونجو في أستراليا وذلك قبل 20.000 سنة،  في طقوس الجنائز، يدفن فيها الرماد، أو ينثر في البحار، أو يحتفظ به في مقابر خاصة، وقد أكتشف أول نتوء صخري ويدعى LM1 عام 1969 ويعود إلى أقدم مكان حصلت فيه حالات حرق الموتى، أما  نتوء LM3 فقد  اكتشف عام 1974، لإنسان أسترالي بدائي يُعتقد بأنه عاش بين 40.000  و 60.000   سنة خلت.

سارت السنون غير هادئة على "نهرين"، ونسيتها تماما، كما سرت أنا نحو تدويني لرواية ما خصصت فيها فصلا يتحدث عن موضوع الحرق حيث أسهبتُ فيها قائلة:

"   أن نتبادل شوك الآخرة بصوت الياسمين، أجدى لنا أن نتبادل أشواك الاتهامات! كان لابدّ من الرحيل، جميعنا سنرحل. رحلت والدتي سريعاً تاركة وصيتها بأمور الدفن. كانت الوصية بالنسبة لي مفاجأة لم أتوقعها؛ فقد طلبت أن يحرق جثمانها، وأن ينثـر رماد جسدها  في البحر. هكذا تكون قد ضمنت عدم اشتعال النزاعات العقائدية والمصاعب المتعلقة بشؤون الدين. لقد وقعت حائرة بين ثلاث ديانات، لأنها، وحسب قولها، تنتمي إلى ثلاثتهم. وكل الذي بقي لي منها زجاجة صغيرة ممتلئة ببعض الرماد. زجاجة بحجم الكف. شفافة وملساء. يمكنني أن أحملها معي حيث أذهب. هي كل إرثي... وهل يكفي البكاء حتى أرى وجهها مجدداً؟!".

لنعد إلى هذا اليوم الذي قررت فيه اكتشاف جزءا جديدا من شواطيء القارة الأسترالية، اخترت خارطة الطريق وتتبعت المؤشر الصوتي الذي قادني إلى منطقة تدعى " كولومب"، معنى التسمية، "رباطة جأش"، وعندما وصلت الشاطيء المبهر أحسستُ بأشياء غريبة  تتوغل داخل مساماتي، وجدت نفسي أتدرج نحو المنحدر وأنا أبحث عن هذا الشيء المبهم الذي علق بي، أتسلق المنحدر بمهارة غير مفسّرَة، شيء ما يقودني إلى هناك، يسيرني لأكتشف المجهول، ضجيج المحيط المصطخب يثير حواس الخوف داخلي ويقودني إلى حيث لا أدري، وعندما وصلت أعلى القمة توقفت عندما وجدت نفسي حبيسة مطل يشبه الشرفة، مسوّر بألواح من الخشب، تهت بين روعة المشهد واحترت كيف أبدأ المشاهدة وأين أضع قدمي، ومن أي ركن ألتقط الصور،  وعندما نظرت إلى أسفل بحثت عن أشياء بين الأمواج الصاخبة والصخور العاصية التي تتحمل كل هذا الصخب، وجدت صقرا ينتظر على غصن شجرة شاحبة، أجزم أنها المرة الأولى التي أرى فيها طيرا من الطيور الجارحة في حياتي، لزمت مكاني وترددت المكوث، لكني اكتشفت فجأة أسماء منحوتة داخل لوحات غرزت على سطح عارضات الخشب تكللها  زهور صناعية حمراء، وقد ربطت بعناية قصوى حول لوحة الأسماء المقرونة بأشكال صغيرة مختلفة، لوحة بجانب لوحة أخرى وأخريات صُفّت أيضا في الجانب الآخر من الشرفة، اقتربت أكثر وقرأت أسماء الذين نثر رماد أجسادهم المحترقة بعد الوفاة، هنا حيث أنا الآن على القمة يأتون لينثروا رماد الموتى... من هنا تنتهي كل الأشياء... كثفت الحيرة داخلي!

تذكرت حالا المرأة التي أخذتني إلى حكايتها الموبؤة برائحة الجثث، تلك التي وصلت لاجئة من العراق ولم تجد لها عملا سوى تنظيف المحارق، بما أنها لا تتقن الانجليزية، " نهرين" والتي نبذت من أقرب الناس لها، وعانت من الوحدة والعزلة الأمرين، خاصة بعد وفاة والدتها، التي لم تدفن في أستراليا، بل أعيد جثمانها إلى العراق، قائلة لي " هيك أفضل، في العراق الدفن رخيص، فقط تكلفة الطيران، وما بديش أتحمل جميلة حدا".

وبدأت أبحث عن اسم "نهرين" من بين الأسماء المنحوتة أمامي، لم أفهم ما هو الداعي لهذا النبش غير الموقر، ولماذا ظننت أنها ربما تكون من بين الموتى الذين أحرقت أجسادهم؟ ربما لأنها أحست بالغربة بعد وفاة والدتها فأوصت بأن ينثروا رماد رفاتها بعد وفاتها اختصارا لمعاناتها! فهي ستبقى من المنسيين حتى لو تأسس لها قبر فخم، لا أحد يعترف بوجودها أصلا، فحقيقة عملها يؤدي بها إلى تجاهل وجودها وهي على قيد الحياة، وحتى اسمها لم يعد يليق بها، لا تدفق مياه ولا حياة ولا أي شيء يدعو إلى التفاؤل، لقد تملكتني أفكارا شيطانية جرتني إلى كل هذه المهاترات!

عدت إلى المركبة ألهث مثل حصان يعدو خلف فارسه الذي تركه يتلظى عطشا وخوفا، قمت بضبط حركة لهاثي وعندما عدت إلى نفسي رويدا رويدا، بدأت البحث عن اسم "نهرين" في الموبايل فلم أجده، تذكرت أنه محفوظ في الموبايل القديم، عدت أدراجي وهموم خفية تلاحقني حتى خرجت من بؤرة الاحتدام المسماة (كولومب) محاولة ربط جأش أعصابي التي انهارت كليا. واتصلت بها، وإذ بها تتعرف على صوتي فورا، صرخت من بعيد قائلة " آلو .. آلو.. أهلين.. أهلين، أكيد كتبتِ  قصة حياتي وتتصلين بي لكي تخبريني بذلك، يا له من خبر مفرح يا أستاذة، لكن يجب أن تضيفي شيئا هاما وهو أنني تزوجت ورزقت بطفلة جميلة أسميتها حياة"!