غزة.. القروض تضع مواطنين تحت المقصلة

غزة- الحياة الجديدة- سهاد الربايعة- أحالهم سوء الوضع الاقتصادي في غزة إلى الوقوع تحت مقصلتها، فأصبحت القروض البنكية أحد السيوف المسلطة على رقاب المواطنين، تشتد حدته كلما اشتدت الحياة ضيقا ومرارة، فزاد إقبال المواطنين في غزة من موظفين وخريجين وغيرهم إلى أخذها، معتقدين بأنها تيسر لهم شيئا من أمور حياتهم.

إغراءات في البداية.. وغرق في النهاية

وجيه النجار(62)عاما متقاعد ويعيل أسرة مكونة من6 أفراد، بينهم خريجون جامعيون يعتبر القروض استعمارا اقتصاديا يهيمن على المواطن، موضحا انه في بدايتها تكون سهلة وأمرا عاديا، وتحل أزمة مالية للشخص، لكن عندما يخوض فيها يجد نفسه عبدا لها، كلما انتهى من قرض أخذ آخر.

وقال النجار:" الكثير من البنوك العاملة في غزة وغيرها من مؤسسات الإقراض تقدم إغراءات للزبون لسحب القروض حتى لو لم يكن بحاجتها، وما أن تنتهي الإجراءات وتخوض أول سنة في سداد القرض حتى تبدأ المعاناة الحقيقية، عندما يخصم من الراتب الأساسي أكثر من ثلثه، وبالتالي يكون هنالك عجز لدى الموظف أو المواطن في مصروفاته الحياتية؛ الأمر الذي يجبره على أخذ قرض آخر من مؤسسة على ضمان كفيل لييسر أمور معيشته، خاصة إذا كان لديه أسرة وأطفال يعيلهم.

وتابع: الإجراءات الأخيرة من خصومات على الموظفين أضرت كثيرا بحالتهم المادية، فمنهم من هو مقترض من البنوك، ولا يأخذ من راتبه سوى الفتات وقد لا يأخذ شيئا، مبينا أن هنالك الكثير من القضايا المالية موجودة لدى الشرطة بسبب عدم قدرة أصحابها على سداد ما عليهم من ديون للبنوك.

أما الشاب أمير المغاري (26عاما) أجبرته الظروف وقلة فرص العمل على الاقتراض من أجل إتمام زواجه، قائلا:" مؤسسات الإقراض لا ترحم ولا تقدر الظروف الاقتصادية للمواطن، وفي حال تعذر عليه دفع قسط شهري يتم رفع الأمر للمحكمة، بالتالي يصبح مهددا بالسجن".

وأضاف أن الوضع الاقتصادي في غزة سيئ جدا، وانعدام فرص العمل أمام الشباب يجبرهم على أخذ القروض من أجل مشاريع عمل أو إتمام دراسة أو للزواج، لكن لا نشاط اقتصاديا ولا حركة مالية تساعدهم على التشغيل وسداد ما عليهم من أقساط، فيلجأون للديون أو لأخذ قرض آخر لسداد القرض الأول، فيقع المواطن في وحل مستنقع القروض ولا يخرج منها الا مكسورا.

الأحوال الاقتصادية تدفع إلى الاقتراض

بدوره بين الشاب منذر أبو كاشف أن الأحوال الاقتصادية بالقطاع خاصة في الآونة الأخيرة دفعت الكثير من المواطنين إلى أخذ قروض في ظل ندرة فرص العمل وركود اقتصادي مميت شل جميع قطاعات في غزة، موضحا أن أغلب سكان القطاع مقترضون من بنوك أو مؤسسات تنموية، منهم طلبة جامعات من أجل إكمال تعليمهم، وينتظرون فرصة عمل لسداد ما عليهم من مستحقات مالية.

وقال إن الإجراءات الحكومية الأخيرة على غزة من خصومات على الموظفين أنهكتهم، وخارت قواهم الاقتصادية، فلم يعودوا قادرين على سداد الديون البنكية أو توفير مصروفاتهم اليومية، مشيرا إلى أن عددا من الموظفين أصيبوا بحالات اكتئاب أمام عجزهم عن توفير حياة كريمة لأسرهم، مبينا أن تردي الأوضاع الاقتصادية لمواطني غزة قد يرفع مستوى الجريمة أيضا.

وطالب أبو كاشف الحكومة بضرورة توفير فرص عمل ومشاريع تشغيل لتحسين الظروف المعيشية للمواطنين، والحد من اخذ القروض البنكية وغيرها، أو إيجاد تسوية مع البنوك ومؤسسات الإقراض من أجل تقسيط المستحقات عليهم بدلاً من حبسهم وجعلهم مجرمين.

وتشير البيانات الصادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء إلى أن نسبة البطالة في قطاع غزة 41.7%، مقابل 18.2% في الضفة الغربية، وان إجمالي قيمة القروض البنكية التي حصل عليها عملاء البنوك في الضفة 5.954 مليار دولار،بينما بلغت قيمة القروض في قطاع غزة 911.9 مليون دولار وفق أرقام سلطة النقد الفلسطينية.

مشاكل اجتماعية تصل إلى المحاكم

وفي السياق نفسه أشارت المواطنة أنوار عبده إلى أن القروض كارثة حلت على مواطني غزة، مشيرة إلى إن هنالك ظاهرة مستهجنة انتشرت بسبب القروض، وهي إذا أراد أحد أخذ قرض بنكي ولزمه كفيل وجب عليه دفع مبلغ مالي له ثمنا لكفالته في البنك، مردفة أن الأمر أصبح سمسرة يستفيد منها الكثير، ويبتزون فيها المواطنين في حال عدم الدفع، وقد تصل إلى الشرطة والمحاكم.

واستطردت: هناك الكثير من المشاكل الاجتماعية التي نتجت عن القروض منها خلافات زوجية ومشاكل عائلية، ناهيك على حبس المقترض في حال عدم قدرته على سداد ما عليه من مستحقات، موضحة أن الإغراءات التي تقدمها البنوك للزبائن لا تقاوم، الأمر الذي يدفع الكثير منهم للجري وراءها وأخذها دون دراية بمشاكلها المخفية.

ودعت أبو عبدو الحكومة إلى إيجاد حل لهذه الظاهرة المتزايدة، وإعداد خطة تنموية اقتصادية للنهوض بالواقع الاقتصادي لغزة، وكف شر البنوك عن المواطنين وإغرائهم لأخذ قروض، ثم تركهم في المستنقع وحدهم يغرقون دون منقذ.

قروض استثمارية لأغراض استهلاكية!

من جانبه أوضح الخبير الاقتصادي الحسن علي بكر أن هناك عوامل تدفع المواطنين للاقتراض منها معادلة عملية "اقتصاد الدخل" تتجه نحو الإنفاق وجزء للادخار، وفي حالة الحد الأدنى من الإنفاق الإجباري يجبر المواطن على الادخار السالب، وهذا يدفعه للاقتراض أو الاستدانة لتغطية الفرق بينهما .

وأكد بكر أن حجم الاقتراض في قطاع غزة كبير جدا من فئة القروض الاستثمارية، والتي يستخدمها المواطنون كغطاء للحصول على القرض بحجة إنشاء مشروع استثماري.

وتابع: مشكلة البطالة في غزة من أهم الأسباب في تزايد إقبال المواطنين على الاقتراض، حيث ان الوضع الاقتصادي في غزة مترد جدا، خاصة في ظل الحصار وإغلاق المنشآت الصناعية، مضيفا أن نسبة العجز في الأمن الغذائي للمواطنين وصلت إلى 85% فلم يعد المواطن قادرا على توفير لقمة عيشه؛ فيلجأ للاقتراض من البنوك أو المؤسسات أو الاعتماد على المساعدات.

وأضاف أن80% من موظفي السلطة بغزة هم من الفئات الأكثر لجوءًا للقروض، خاصة بعد الخصومات والتقاعد المبكر الذي طال الكثير في ظل عدم وجود مصدر دخل آخر لهم.

وأردف بكر أن البنوك لا تقدم إغراءات للزبائن، بل تعمل على إعادة جدولة للراتب للتخفيف عنهم، والضمان للبنوك استعادة ما لها من مستحقات على الموظفين.

ويوعز محللون سبب ارتفاع حجم القروض في الضفة مقارنة مع قطاع غزة إلى عدة أسباب، منها تمركز العمل الحكومي والقطاع الخاص للسلطة الوطنية في رام الله، ولجوء مستثمرين من قطاع غزة إلى وضع أموالهم كودائع في بنوك باعتبارها أكثر أمنا، ما أدى إلى تراجع الودائع في غزة والذي يعني ضمنا كذلك الحد من التسهيلات الممنوحة، بالإضافة إلى عدم صرف رواتب الموظفين المحسوبين على حماس في بنوك رسمية معترف ما يحول دون امكانية حصول هؤلاء على تسهيلات بنكية.

وبينما تصل حجم الودائع في البنوك الفلسطينية إلى نحو 12 مليار دولار، فإن الودائع المسجلة في البنوك العاملة في رام الله وصلت إلى نحو 4 مليارات دولار، بينما لا تتجاوز الودائع في بنوك غزة 1.5 مليار دولار وهو ما يدل على سبب منح تسهيلات أكثر في الضفة مقارنة مع غزة.