صانع الحلوى مجموعة جديدة لأزهار جرجيس

ميلانو- صدرت عن منشورات المتوسط – إيطاليا، المجموعة القصصية الجديدة للقاص العراقي أزهر جرجيس، بعنوان "صانع الحلوى". وفيها، يُعيد أزهر جرجيس برمزيّة عالية، صياغة معاناة شعب على مدى أربعة عقود مضت، ليقدّمها إلى القارئ على هيئة حلوى قابلة للهضم.

الموت المجانيّ، ورائحة الجثث، والتعذيب الجسدي، والجوع المستديم، والزيف المجتمعي، والمتاجرة بالدين، وغيرها، موضوعات جعل منها الكاتب هنا مواد أوليّة لحلواه التي يعرضها على طبق من السخرية السوداء، كما هي عادته في كتابة القصص. ربما ستصطدم برأس يتدحرج بين طيّات الكتاب، أو تعيقك غيمة وطاويط من متابعة القراءة، أو يهتف بك جلّادٌ يحمل سيجارةً يسلّيه إطفاؤها في أجساد الضحايا، لكنّك تتأكد من أنّ كل ما ستراه، ليس فيلماً هوليووديّاً لسيناريست ممسوس، ولا عرضاً مسرحيّاً لفرقة جوّالة من مجرّة أخرى، بل هو الواقع الذي عشتَ بعضه، وعاش غيرك بعضه الآخر، ولو تبادلتم الحكايات لاكتملت الصورة. إنّ أبرز ما يميّز مجموعة صانع الحلوى هي الفنتازيا المكتوبة بلغة بارعة ونكهة خاصة تمنح الكاتب حضوره الأدبيّ والسرديّ المميز وسط المشهد الراهن.

هنا لا يدّعي جرجيس امتلاكه للأجوبة، قدر ما يحاول، بمبضع السخريّة، فتح الدمامل وكشفها للهواء والضمير الإنساني الذي غاب طويلاً عن مأساة شعبه وآلامهم، رغم إجادتهم لصناعة الحلوى.

من الكتاب:

في الطريق إلى المنزل، اعترضني غراب. وقف في الهواء يصفّق بجناحَيْه أمام وجهي. سألتُه عمّا يريد، فقال بأنّ هنالك بشارة في انتظاري. بشارة من غراب؟! يا ويلي! على كل حال شكرتُه، ومضيتُ.

كنتُ أحثّ الخطى، كي أصل، وعلامات الاستفهام تتناسل في رأسي. ما الذي ينتظرني في المنزل؟ لقد فقدتُ منذ عامَين عملي كمُحرّر ثقافي في الصحيفة، لسبب تافه، وما تزال المصائب تتناسل. قالتْ مديرة التحرير يومذاك بأنّها تشعر بالاختناق وقلّة الأوكسجين في الهواء، بسبب أنفي الكبير، فأقالتْني من وظيفتي بعد أن عجزتْ عن إقناعي بإجراء عملية تصغير له.

في الواقع، لم أكن مرتاحاً لحجم أنفي، لكنّني أخاف من صالة العمليات. رأيتُها مرّة واحدة في حياتي، وما تزال رائحتها عالقة بأنفي مثل قرادة في خاصرة ثور. كنتُ حينذاك في الرابعة من عمري، وكان لقلبي الصغير نافذة يطلّ بها الأُذينان على بعضهما، فأغلقها طبيب جرّاح، يُدعى شوقي العصبي. لا أدري إن كان هذا اسمه الحقيقي أم كناية عن عصبيّته المفرطة مع المرضى. المهمّ أنّي ما أزال أتذكّر حاجبَيْه الكثيفَيْن وهو يراقب إغفاءتي، كي يضع المشرط في صدري.