الاستسلام أو الحرب الاهلية

هآرتس – حيمي شليف

الديمقراطية تقوم على سلطة الاغلبية، حقوق الاقلية، حرية الفرد والحفاظ على القانون، وحماية القانون وقواعد اللعب. اذا تم سحب أي مركب من مركباتها فستتضرر، هذا اذا لم تنهر. إن نظاما يقدس سلطة الاغلبية ولكنه يرفض كل مكونات الديمقراطية الاخرى يشكل خطرا واضحا وفوريا على استمرار وجودها. هذه الانظمة التي تضر بالديمقراطية من الداخل توجد الآن في عدة عواصم في شرق اوروبا وفي واشنطن وفي القدس.

في اسرائيل والولايات المتحدة التنكر لأسس الديمقراطية يظهر أولا وقبل كل شيء هو في سلوك زعيميهما، الموجودان في ازمة قضائية، ويتآمران على سلطة القانون، ويحرضان على الكراهية ويقنعان من يؤيدونهما بأن التمسك بالسلطة له افضلية على حماية الديمقراطية. هذا الحريق يشعله الدين بواسطة ممثليه المتشددين غير الليبراليين. الافنغلستيين في الولايات المتحدة يتجاهلون اخطاء ترامب الذي يناضل ضد الاجهاض ويسمح بتدخل الدين في السياسة ويساعد على اقتراب حرب يأجوج ومأجوج ونهاية العالم. واليمين المتدين لدينا يضر بالديمقراطية من اجل الاستيطان وارض اسرائيل الكاملة، في حين أن الحريديين يقسمون يمين الولاء لنتنياهو طالما أنه يمطر عليهم هباته الكبيرة ويعزز سيطرتهم على حياة الدولة كلها، مثلما اثبتت الكنيست في المصادقة على قانون الدكاكين.

هذان العاملان الجديدان – زعماء معزولين ودين يقف من ورائهم – يحولان المواجهة التاريخية الشديدة بين اليمين واليسار الى حرب وجود حقيقية، التي تتم تغذيتها في الشبكات الاجتماعية التي تعمل على توسيع الفجوة وتؤجج النوازع وتنشيء واقع جديد. لم تقف في أي يوم، كما يبدو، الكتلتان السياسيتان بصورة اكثر بروزا الواحدة امام الاخرى، حيث الفجوة بينهما تزداد وتتسع والجسر المتهاوي الذي ربط بينهما تعفن وهو آيل للسقوط.

اليمين يرفض الاعتراف بالمسؤولية عما يحدث، ويقنع نفسه بأن اليسار تصرف دائما بهذه الطريقة. بمساعدة نفس الاجهزة الاعلامية التي تضع نفسها تحت تصرفه، فان اليمين يستنتج استنتاج مصطنع يساوي فيه بين جرائمه ومظالم اليسار، فكل مقصلة كرتونية تساوي قتل رئيس حكومة وكل متظاهر ليبرالي يساوي حركة نازية جديدة كاملة. مشبع بشعور القوة ومشبع بحقد الضحية ومشبع بالتعصب الايديولوجي ومقطوع عن الواقع، فان اليمين يسرع نحو الانزلاق في المنحدر ويرفض التوقف في الاشارة الحمراء. احتجاج اليسار على سلوكه يرفضه على اعتبار أنه تباكي الخاسرين الذين يحسدون عدوهم الموجود في السلطة.

اليسار، والأدق القول غير اليمين، يجد صعوبة في مواجهة البلدوزر المدمر. من تنقصه القيادة الكاريزماتية التي تثير الالهام، والذي يلتزم حتى الآن بسلطة القانون والادارة السليمة واحترام قيم الديمقراطية، فان اليسار يبدو على الاغلب حائرا ليست له قوة أمام بلطجية خصومه. وهو يرفض تصديق ما يراه ويجد صعوبة في استيعاب تنازل اليمين عن قواعد اللعب الديمقراطية التي مكنت حتى الآن من الوجود المشترك. اجزاء منه يعزون انفسهم بالتفكير أو الوهم بأن اليمين سيتوقف في اللحظة الاخيرة على شفا الجرف، في حين أن آخرين يملؤهم الخوف والاحباط والغضب المتراكم، الذين حتى الآن لا يجدون أي مخرج. ليس بعيد اليوم الذي سيشعر فيه "غير اليمين" أن ظهره الى الحائط وأن خياره الوحيد هو الاستسلام المخجل أو النضال ضده، كما هو متبع لدى اليمين كل الوسائل مباحة. الاستسلام يعني خسارة الديمقراطية، لكن النضال سيقود الى انقسام نهائي وربما الى حرب اهلية.