مها العتوم: الكتابة الشعرية هي التي تختار شكلها

إسلام سمحان

مها العتوم، شاعرة أردنية، تعد من أبرز الأصوات الشعرية النسائية العربية. لقصيدتها خرير الماء في جدول، مصقولة بطبيعتها، وتلمع مثل نجمة أو ينبوع. لا تشكل اللقطة عالمها معتمدةً على مفارقات بل على كشف عميق لشعرية تسكن كلمتها التي تأتي من دون عنت، أو افتعال. يمكن وصفها، بلا مبالغة، بأنها شاعرة القصيدة الصافية. هنا حوار معها:

*إلى أي حد أثرت في نصوصك الشعرية البيئة الريفية؟

 لا بد أن البيئة التي يعيش فيها الشاعر طفولته بالذات تظل في قصيدته، بل وتنمو أيضا، وتتكاثر وتتشعب كلما ابتعد الشاعر عنها، ولذلك البيئة الريفية موجودة بالضرورة في قصيدتي، قريتي سوف بزيتونها وتينها وعنبها تلاحقني وتسير معي، وأشم روائحها حتى في القصائد التي لا أكتب فيها عنها. متعلقات الطفولة هي منبع الشعر الأساسي، ولا بد أنها تظهر على شكل صور ربما لا يكون الوعي فاعلا فيها دائما.

*ثمة مشهدية واضحة في قصائدك، تحيلنا إلى لقطات مصورة؛ فهل يمكن لنا أن نرى من خلال الشعر؟

إذا كان الشعر حقيقيا لا بد أن ترى من خلاله وتسمع وتحس وتذوق أيضا، ولذلك المشهدية مهمة في القصيدة، وهي وإن كانت تقنية جديدة على المستوى النظري إلا أنها على المستوى الإجرائي موجودة في الشعر القديم، وهذه التقنية توفر للقصيدة شعرية تبعد بها عن البلاغة التقليدية، وتدفع بها باتجاه فنون أخرى كالمسرح مما يزيد من غنى النص الشعري وتأثيره في المتلقي.

* لا يمكن تجاهل الإيقاع الموسيقي الموزون في قصائدك، فهي تنتمي إلى شعر التفعيلة؛ فما الذي يضيفهُ هذا النوع من الإيقاع للشعر؟

الإيقاع بصوره المختلفة عنصر ومكون أساسي في الشعر، ربما في قصيدتي ترتفع درجة الإيقاع الموسيقي وأشعر بهذا، وبقدر ما أحب الإيقاع وأنتمي إلى إيقاعات قديمة وجديدة فإني أحاربها في كثير من الأحيان، لأن بعض الإيقاع يوقع بالشاعر ويسحبه باتجاهه على حساب المعنى، أحاول أن أظل متيقظة، وألا أنساق باتجاه الموسيقى -فقط- ما كان منها على حساب المعنى، وما عدا هذا فإني أحب الموسيقى وأرتبط بها في الشعر وخارجه.

*وماذا عن قصيدة النثر؟.. يرى بعضهم أنك أصبحت أقرب إليها مما سبق؟

قصيدة النثر شكل مختلف، وكل شكل يرتبط بالضرورة بمضامين، ولذلك هذا الشكل يوسع أفق المعنى المعتاد والمألوف، وأنا معجبة بالكثير من نماذج قصيدة النثر، وبعض شعراء قصيدة النثر خطّوا طرائق ونماذج عالية لكتابة هذه القصيدة. ولكني في الوقت نفسه ضد الكثير مما يكتب في إطار قصيدة النثر وليس شعرا ولا نثرا. بصدق، شخصيا لا أحدد الشكل قبل الكتابة، بل الكتابة تختار شكلها، ولدي بضع تجارب في كتابة قصيدة النثر. بالنسبة لي الشعر الحقيقي هو ما يجعلك تنسى شكله لحساب الأداء الفني الذي يحمله هذا الشكل أو ذاك.

* تفيض قصائدك بالحب.. ألا ترين أن هذا الموضوع الشعري استهلك؟

 بالنسبة لي لا يوجد موضوع مستهلك، والحب بالذات مما لا يستهلك ولا ينفد، ويستطيع الشاعر الحقيقي أن يقدم شيئا ويضيء مناطق إضافية في أي موضوع يتناوله.

 * في أي حقلٍ تجدين نفسك أكثر.. الشعر أم النقد؟

 أجد نفسي في الشعر أكثر، فهو الأقرب إلى طبيعتي بما فيها وفيه من حرية وفوضى وخيال. لكني أستفيد من ضوابط النقد، ومن أسسه العلمية، وأخفف من حدتها وصرامتها بالفن. أستطيع أن أكون الناقدة كما أكون الشاعرة، ولكني أحب نفسي في القصيدة وفي كتابتها وفي خلقها أكثر مما أحبها بعد القصيدة وتأمل النجز سواء أكان إنجازي أو إنجاز سواي. أتمنى أني أوفق بين الجانبين، وإن كنت أميل إلى الشاعرة، وأترك لها الأولوية دائما في الشعر، لكني أحاول مراقبتها في النقد، لئلا تضر برأيي وتبعد به عن العلمية التي يحتاجها النقد بالضرورة.

*تم اختيارك مؤخرا ضمن قائمة الفائزين بجائزة الدولة التقديرية، ماذا تعني لك هذه الجائزة وما الذي تضيفه للمبدع؟

 جائزة الدولة التقديرية أسعدتني، لأنها تحمل معنى التقدير، ولأنها مرتبطة بالدولة والوطن، يسعدني أن تقدرني الدولة ومؤسساتها وتعترف بمنجزي، وهذا فيه دافع وحافز يجعلني أشعر بمسؤولية أكبر تجاه قصيدتي. أكتب لأستمتع، ولكني في الوقت نفسه أشعر بمسؤولية كبيرة تجاه قصيدتي والشعر، لأني أنظر إلى تراث ضخم راكمه الشعراء والشاعرات العرب وغير العرب، وإن لم أضف إلى هذا التراث فعلا فلا معنى لكتابتي. فالإبداع أن تقدم شيئا جديدا، وأن تضيف إضافة حقيقية مهما كانت بسيطة. أتمنى أن تستمر الجائزة وتتطور وتتكرس لتصنع الحالة الثقافية التي نطمح إليها في الأردن وفي العالم العربي.

*الشاعرة/الشاعر يميل إلى المتخيل والتعبير عن الذات والعام من الحياة، والناقد يكتب ضمن قالب صارم وأسس "علمية"؛ فكيف توفقين بين الجانبين؟

 لا يوجد قصيدة ولا يوجد شعر لا ينهل من بئر الداخل والتجربة الذاتية، ومع ذلك أنا أحاول بجد الابتعاد عن حصر القصيدة في حدود الذات وقضاياها، لكن لا بد لأي قضية برأيي أن تنعجن في الذات وتصبح جزءا منها ثم تخرج إلى العالم، ولذلك حين أعبر بضمير الأنا عن المرأة ليس بالضرورة أن يكون هذا نابعا من تجربة ذاتية. للفن ألاعيبه وأدواته، والشاعر الجيد يجيد العبث الذي يتحول إلى جمال، ويستطيع أن يقنع المتلقي بالصدق الفني الذي تحمله القصيدة لا الموضوعي. في الحقيقة أنا لا أحب القضايا الكبرى التي يقحمها بعض الشعراء على الشعر، لقد فرغنا من الأغراض الشعرية منذ زمن، الآن نحن بصدد قضايا جديدة وأدوات مختلفة، ولا بد من أن يمتلك الشاعر والفنان الحساسية لعصره وقضايا عصره والأدوات والتقنيات الخاصة به.