كيف نوقف النار على القطاع؟

نظرة عليا - بقلم: مودي ديكل

منذ اكثر من شهر ولاول مرة منذ نهاية حملة الجرف الصامد، نشهد نارا متواصلة للصواريخ وقذائف الهاون من اراضي قطاع غزة نحو اسرائيل. لقد بدأت النار كرد من الجهاد الاسلامي على كشف النفق في تشرين الاول 2017 وتفجيره، ما ادى الى قتل 14 ناشطا من صفوف التنظيم، وتعاظمت في اعقاب الاعتراف الاميركي بالقدس كعاصمة اسرائيل. وانضمت اليه فصائل "عاقة" من التيار السلفي – الجهادي. اما حماس، لاعتبارات داخلية اساسا وبخلاف سلوكها في السنوات الاخيرة، لم تبدي بداية تصميما لوقف النار، وهكذا سمحت عمليا بالتنفيس، وان كانت لم تطلق العنان تماما، منعا لتصعيد واسع. وكان رد اسرائيل، حتى الاسبوع الماضي في نطاقه الثابت، يوجهه مبدأ ان حماس هي صاحبة السيادة في القطاع، وعنوانا مسؤولا عنه لتحمل الثمن. قيادات، بنى تحتية، من الانفاق والمواقع للمنظمة تعرضت للهجوم بهدف حملها على منع الجهات السلفية – الجهادية والجهاد الاسلامي من مواصلة اطلاق النار.

تستند الاستراتيجية الاسرائيلية الى عدد من فرضيات العمل. الاولى هي التسليم بحكم حماس في القطاع واعتبارها عنوانا حكوميا مسؤولا حتى دون الاعتراف الرسمي بها كلاعب شرعي. ثانيا، الحاجة الى ابقاء الضغط العسكري، السياسي والاقتصادي على  حماس بهدف ردعها، اضعافها وابطاء تعاظم قوتها العسكرية. ثالثا، التقدير ان الردع الاسرائيلي الاساس تجاه حماس بقي منذ صيف 2014 على حاله وان حماس تخشى التصعيد. اما الفرضية الرابعة فهي ان حماس تركز اليوم على تنفيذ المصالحة الفلسطينية الداخلية وتحقيق شرعيتها الداخلية والاقليمية، وبالتالي فإن التصعيد والانجرار الى معركة عسكرية مع اسرائيل لا يخدمانها. وفي النهاية، ليس لاسرائيل مصلحة في تصعيد التوتر القائم الى مواجهة واسعة إذ انها لا تسعى الى تغيير جوهري للوضع في القطاع. في الوقت الحالي فان اهدافها بالنسبة لحماس والقطاع هي اطفاء اطلاق النار، التهدئة والاستقرار. اضافة الى ذلك، اسرائيل غير معنية بان تظهر كمن افشلت مساعي المصالحة الفلسطينية الداخلية التي تؤيدها مصر وعلى ما يبدو ادارة ترامب ايضا.

لكن، في النقطة الزمنية الحالية، فإن استراتيجية الرد الاسرائيلية تتبين كغير ناجعة. فحماس تستصعب ايقاف النار. وميل التصعيد يتأكد على خلفية قرار حماس تغيير قواعد اللعب في الساحة الفلسطينية، وحيال اسرائيل ايضا. ويلوح في الاشهر الاخيرة تغيير في الفرضيات التي في أساس سلوك حماس. فمنذ تأسيسها، تتماثل المنظمة كمن تحمل شعلة المقاومة، ومع ذلك، تسعى قيادتها في الوقت الحالي أولا وقبل كل شيء الى تحقيق المصالحة مع فتح كفرصة لان تزيح عنها المسؤولية المدنية عما يجري في القطاع (وان كان دون التنازل عن قوتها العسكرية)، ولا سيما المسؤولية عن منع اعمال "المقاومة" لجهات اخرى ضد اسرائيل. غير أن عملية المصالحة اصطدمت بالمصاعب من رئيس السلطة محمود عباس، الذي يعيق تحويل المقدرات الاسرائيلية التي وعدت بها حماس في غزة كما يمتنع عن أخذ المسؤولية المدنية عن القطاع. كما ضعف دافع حماس لوقف اطلاق النار في اعقاب الاحتجاج الشعبي الذي نشب في القطاع ردا على اعلان الرئيس ترامب في موضوع القدس. وشارك زعماء المنظمة في المظاهرات التي جرت في حدود القطاع وفي الاحداث التي اندلعت على هذه الخلفية وقع قتلى وجرحى.

حتى الآن، كان الضرر لحماس عقب اطلاق النار المقنون من القطاع نحو بلدات غلاف غزة غير كبير لا سيما ان قيادتها تقدر باحتمال عال بقاء نمط الرد الاسرائيلي الحالي. فضلا عن ذلك، تفهم قيادتها بانه مع الزمن تفقد المنظمة مشروع الانفاق الهجومية الذي هو بالنسبة لها ذخر استراتيجي، عقب مساعي الجيش الاسرائيلي للعثور عليها وتدميرها، بالتوازي مع بناء عائق تحت ارضي مكثف. الى جانب ذلك، تجد حماس صعوبة في الاضرار باسرائيل من حيث تنفيذ عملية نوعية من منطقة الضفة، بسبب نجاح مساعي الاحباط التي تقوم بها المخابرات والجيش الاسرائيلي وكذا بسبب مصاعب تجنيد النشطاء للقيام بالعمليات في الوقت الذي تفرض المنظمة الهدوء في قطاع غزة – الارض التي تحت سيطرتها.

تعبير آخر عن التغيير في اتجاه حماس هو انضمام الجهاد الاسلامي الى النار، وهو التنظيم الثاني بعد حماس من حيث حجم القوى في القطاع، وخضوعه للنفوذ من طهران وتسلحه بالوسائل القتالية الايرانية. ويبدو أن سببا حاسما لمصاعب او ترددات حماس في لجم نار الجهاد ايضا هو الرغبة في ضمان استمرار الدعم الايراني لها، بالمال وبالسلاح. في العام الماضي عندما اراد يحيى السنوار، زعيم حماس في القطاع منع اطلاق صواريخ الجهاد، حقق الهدف. في ضوء ذلك، يمكن التقدير ان اعتباراته اليوم مختلفة. وقد أعلن السنوار ان الاذرع العسكرية لحماس والجهاد الاسلامي تلقت مكالمة هاتفية من قاسم سليماني، قائد قوات القدس للحرس الثوري الايراني، في اثنائها ابلغها بان "ايران ستقدم كل مساعدة لازمة للدفاع عن القدس".

عمليا، في هذه الايام توجد في ساحة القطاع ظروف مشابهة لتلك التي سادت في المنطقة قبل جولات المواجهة السابقة لا سيما "الجرف الصامد". وتفاهم أزمة البنى التحتية في القطاع (الكهرباء لساعات قليلة في اليوم رغم رفع عقوبة محمود عباس في شأن الدفعات للكهرباء لاسرائيل، نقص في مياه الشرب والمعالجة العليلة لمياه المجاري)، الى جانب موجة الاقالات في القطاع الخاص، الارتفاع الكبير في حجم الافلاس بين التجار الصغار والمتوسطين، وكذا الضرر الشديد في السيولة النقدية لدى البنوك والمؤسسات التجارية. كما أن ضائقة حماس الاقتصادية واضحة: فالرواتب الاخيرة لموظفيها، معدل 40 في المئة من الراتب العادي، حولت في تشرين أول الماضي.

على هذه الخلفية، تزداد وتيرة وحجم الاحداث والتحذيرات كنمط عمل – رد بين اسرائيل وحماس وفرص التصعيد تتصاعد. ولالية التصعيد حياة خاصة بها. حتى عندما لا تكون مصالح الطرفين تدفع باتجاه معركة واسعة. ان المشكلة الاستراتيجية لاسرائيل هي انها من جهة ليست جاهزة لان تصبح النار عادية الحياة بالنسبة لبلدات غلاف غزة، ومن جهة اخرى تسعى للامتناع عن الخروج الى حملة واسعة النطاق في غزة، انطلاقا من الافتراض بانه في هذه الحالة ستزداد احتمالات ان تكون مطالبة باحتلال كامل للقطاع. وذلك بسبب الميل لاصلاح اخفاقات المعركة السابقة، وكذا ايضا في ضوء تصريحات وزير الدفاع أفيغدور ليبرمان بان المعركة التالية في غزة يجب أن تكون المعركة الاخيرة لحماس: "التوجه بكل القوة وعدم التوقف الى ان يرفع الطرف الاخر العلم الابيض ويصرخ النجدة. وفضلا عن اثمان القتال، فان السيطرة على القطاع ستفرض على اسرائيل كلفة باهظة جدا: حكم مباشر على نحو مليوني فلسطيني، تفاقم المشكلة الديمغرافية لاسرائيل؛ عبء اقتصادي – انساني جسيم؛ تفرغ قوات الجيش للمنطقة لفترة طويلة، واثمان سياسية باهظة على اسرائيل.

الى جانب ذلك، يكمن في التصعيد ضرر كبير جدا لحماس، ولا سيما انهاء فصل حكمها في القطاع. وحتى مصر كفيلة بان تتضرر وبالتالي تحاول القاهرة لجم حماس وبالتالي اسرائيل واحياء مساعي المصالحة بين حماس وفتح. ولكن الحماسة المصرية في هذا السياق قلت في ضوء المصاعب المتصاعدة لتسوية العلاقات بين المعسكرين الفلسطينيين الخصمين، وكذا في ضوء ابتعاد الخيار لمبادرة مسيرة سياسية بين اسرائيل والسلطة الفلسطينية بوساطة ادارة ترامب. يبدو بالتالي ان الطريق الى جولة قتالية اخرى في غزة – بعد أكثر من ثلاث سنوات من الهدوء النسبي آخذ في القصر. دليل  على ذلك كان التغيير الذي طرأ على صيغة الرد الاسرائيلي في اعقاب النار التي اطلقها الجهاد الاسلامي. ففي ليل الرابع من كانون الثاني ضربت اسرائيل نفقا للجهاد الاسلامي. فضلا عن ذلك، فان مهاجمة البنى التحتية والانفاق للجهاد الاسلامي معناها رفع المسؤولية عن حماس وينطوي على ذلك الاعتراف بعدم قدرتها على السيطرة على الوضع كصاحبة السيادة في المنطقة.

اذا كانت اسرائيل تسعى الى منع التصعيد، فان عليها أن تجد السبل لفعل نشط وفوري لتقليص الضغوط الانسانية والاقتصادية على قطاع غزة، ولكن دون أن تعتبر كمن يهادن الارهاب في ظل تعزيز الردع حيال حماس. ويوجد امامها عدد من الخيارات:

1. نقل رسالة لحماس ان اسرائيل ستكون مستعدة لتعليق ردها لفترة زمنية محددة كي تسمح لها بلجم الجهات المسؤولة عن اطلاق النار ولقطا سلسلة العمل – الرد. وذلك في ظل الايضاح بانه اذا لم تظهر حماس تصميما على وقف اطلاق النار، فان الرد سيكون شديدا.

2. رفع الرد العسكري درجة، بحيث تكون غايته الحاق ضرر جدي لحماس، كهجوم في وضح النهار على منشأة مأهولة لحماس او ذخائر اخرى ذات قيمة بالنسبة لها، بهدف التأثير على حماس لتغيير انماط عملها. احتمال معقول لان يكون عمل من هذا النوع، خلافا للاحباط المركز لمسؤولين كبار في المنظمة، لا يؤدي بعد الى مواجهة عسكرية واسعة.

3. وضع تحدِ أمام حماس في المستوى السياسي، باعتراف علني بكونها جهة القوة الاساس والعنوان المسؤول في القطاع. ومقابل هدوء امني واستقرار يعرض على حماس المساعدة الحيوية التي تمنعها السلطة الفلسطينية عنها، بخاصة الكهرباء والمياه، فيقام محور توريد من ميناء اسدود الى القطاع بل ويتاح خروج للعمال من المنطقة للعمل في بلدات غلاف غزة. معنى مثل هذه الخطوة، التي ستعكس تغييرا جوهريا في سياسة اسرائيل تجاه حماس والقطاع، هو تسليم بكيان شبه دولة معادية، مسلحة وغير مجردة في القطاع، وكذا القضاء على امكانية مسيرة سياسية في المستقبل القريب وان كان تغيير هذا الاتجاه سيثير التوتر بين اسرائيل والسلطة الفلسطينية.

4. بديل آخر، مفضل وموصى به، هو تجنيد مصر لجهد الوساطة. على اسرائيل أن تودع لدى القاهرة صندوق أدوات يتضمن جوانب اقتصادية وبنى تحتية ذات معنى، غايتها اغراء حماس لابداء جهد حقيقي لتهدئة المنطقة ولجمها. اذا رفضت حماس التعاون مع العرض المصري، ستزيد شرعية الضربة الشديدة لها. ولزيادة جاذبية العرض بهذه الروح، على اسرائيل ان تزيد الجاهزية لامكانية اندلاع معركة عسكرية وتطورها الى درجة احتلال قطاع غزة. والتقدير هو أن ابداء مثل هذه الجاهزية سيفيد في تهدئة الوضع، في المدى الزمني القريب على الاقل، بل ويشجع على استمرار سياقات المصالحة الفلسطينية الداخلية. وحتى لو لم تنتهي عملية المصالحة بالنجاح، فلن تكون اسرائيل هي التي ستعتبر كمن افشلتها. وادخال مصر الى مساعي التهدئة المباشرة سيخدم المصلحة المصرية في أن تبقى الجهة الاقليمية المقررة في الموضوع الفلسطيني، وفي اطار ذلك يساعد على منع نفوذ ايران، تركيا وقطر في قطاع غزة.