نحو اعلان ترامب.. يمكن للرموز ان تنتظر

يديعوت – أفيعاد كلاينبرغ

ثمة شيء غريب في القضية التي تثار باعلان القدس كعاصمة اسرائيل. نبدأ بالامر المفهوم الى هذا الحد أو ذاك، من تلقاء ذاته. من حق الدول ان تقرر عاصمتها، مثلما هو من حقها ان تقرر علمها ونشيدها القومي. هذا لا يعني أن هذا يجب أن يعجب الجميع. هذا ببساطة هو الواقع. يحتمل الا أحب الصليب الذي في اعلام دول مسيحية عديدة، او الهلال الذي في اعلام الدول الاسلامية، او نجمة داود في علم دولة اسرائيل. يحتمل ألا احب الاناشيد المتعطشة للدماء والحماسية لأمم عديدة. إذن لا أحب .

الدبلوماسية ليست قرعة تمزيق اوراق الورد – احب، لا احب – بل هي مصالح واتصالات سياسية. عندما احترم بصفتي ضيفا العلم او اقف صامتا عند اطلاق النشيد القومي لمضيفي، فاني لا اعرب رأيا عن مضمونها. أنا احترم سيادة المضيفين. ولا اقبل بالضرورة فكرهم، ولا أتبنى بالضرورة قيمهم وأكاد لا اشعر أبدا بانسجام مع رموزهم القومية. كل هذا صحيح أيضا بالنسبة للعواصم. السؤال الجوهري ليس اذا كنتم تقبلون الوضع الراهن المتعلق بعاصمة دولة فلانية بل اذا كنتم تقبلون سيادتها. كل ما تبقى هو مسألة مفاوضات. حقيقة أنه توجد لكم سفارة في الصين لا تعني أنكم تصادقون على وضع حقوق الانسان في الدولة او على الحاق التيبت.

ان حقيقة ان معظم دول العالم لا تقبل مكانة القدس كعاصمة اسرائيل هي نموذج كلاسيكي للازدواجية الاخلاقية، مثابة ورقة تين مزايدة تعود الى عهود سبق أن انقضت. لكثير من هذه الدول لا توجد أي نية أو رغبة في فرض أي عقوبات على اسرائيل بسبب حرمان الفلسطينيين في المناطق المحتلة من حقوق الانسان، بسبب سياسة الاستيطان، التي تتعارض مع القانون الدولي، أو لأي سبب آخر كان. إذ بخلاف صورة الضحية لدينا، والتي تعرض كل العالم وكأنه يقف ضدنا، فان معظم العالم (ولا، الـ بي.دي.اس ليست "العالم") يتعامل معنا كحقيقة قائمة ويجري معنا الصفقات بذات عدم الاكتراث الاخلاقي الذي يميز كل خطواته.

وعلى هذه الخلفية بالذات، فان الرفض للاعتراف بالقدس كعاصمة الدولة يبرز في سخافته. هذه هي المشكلة؟ لهذا السبب ثرتم؟ شك يثور في قلب الناظر المحايد في أن السبب الحقيقي لهذه المزايدة الانتقائية هو محبة الطواقم الدبلوماسية الزائدة للمدن المركزية. فمن يريد أن يسكن في القدس حين يكون ممكنا السكن في تل أبيب أو في هرتسيليا؟

يمكن أن نجمل الأمر ونقول ان عدم الاعتراف بالقدس (ظاهرا لأن مكانتها لم تسوى بعد حرب الاستقلال) اساسه في المزايدة. فليس له أي معنى غير المعنى الرمزي قليل السعرات السياسية. من جهة اخرى – وفي التاريخ يوجد دوما جهة اخرى – فان للرموز معان. ولأسبابهم النفسية، فان الناس مستعدون لأن يتعرضوا للقتل أو من الأفضل أن يَقتلوا غيرهم، من أجل رموزهم. فأجيال على أجيال من المغتصبين اليهود ضحوا بأرواحهم، وماتوا غير مرة، لأنهم رفضوا أكل لحم الخنزير. وارتكب هؤلاء الناس مخالفات أخطر بأضعاف – دنسوا السبت ومروا في صور الكنائس (موضوع هو مثابة "على جثتي"). ولماذا أصريت بالذات على موضوع أكل لحم الخنزير؟ إذ أن للرموز اهمية وقوة، ولا يهم ما يقوله الخبراء عن هذا.

وهذا هو السؤال الناشئ في موضوع الاعتراف بالقدس كعاصمة اسرائيل. كم يساوي لنا هذا الرمز؟ من ناحية عملية لا شيء سيتغير في أعقاب نقل السفارة الاميركية مثلا. موقف الولايات المتحدة من اسرائيل لن يصبح افضل بشيء الآن. وكما أسلفنا، فان الدول الاخرى، سواء انضمت الى الولايات المتحدة أم لا، تعترف بسيادة اسرائيل في القدس في كل شأن ممكن، ومكان سفارتها هو في نظرها موضوع عديم كل معنى عملي. من جهة اخرى، هناك احتمال جيد في أن يؤدي هذا الاعتراف، المنطقي والمبرر بحد ذاته، اذا تم على نحو منقطع عن اتفاق سياسي، الى موجات عنف في العالم. الناس سيقتلون. فهل يوجد مبرر لهذا؟ ليس مؤكدا. الصراعات من المجدي ادارتها على المواضيع الجوهرية. أما الرموز فيمكنها أن تنتظر.