قصر شهوان ببيت جالا.. 100 عام على مهارة دقاق الحجر

بيت جالا-  وفا-  لا يمكن أن يمر المرء من وسط بيت جالا دون أن يُمتع نظره بقصر دار صلاح، والمشهور بقصر شهوان، فهو إما أن يتأمله سريعا، أو يتوقف ليلتقط له صورا عديدة، خاصة لواجهته المطلة على الشارع الرئيسي.

تحتار الكاميرا عند أول مشهد تستعد لالتقاطه للقصر، فهو من كل الجهات مُغرٍ للعدسة، حيثما اتجهت وجدت سحراً، نافذة أو قوسا، بابا أو شرفة، حجرا أو منحوتة.

 قذيفة وعدد من الرصاصات أطلقها الاحتلال صوب القصر في العام 2002، تركت آثارها الواضحة في البناء الخارجي والداخلي، لعل أبرز جروح القصر كان فقدانه لرأس أحد التمثالين المتقابلين على شرفته الرئيسية، وهما يعودان لأبناء صاحب القصر، الذي نُحت أيضا بداخله، اضافة لإصابة عدد من المواطنين المارين بالشارع والمتواجدين في داخل معصرة الزيتون القديمة (الحجرية) الموجودة في الطابق السفلي من القصر، ومنذ ذلك القصف إلى اليوم توقفت عن العمل وهُجرت.

في داخل أروقة القصر، يشعر المتجول كأنه في أحد قصور العائلات الارستقراطية الروسية التي بنيت في القرنين الثامن والتاسع عشر، فالممرات والأدراج الداخلية والأقواس في السقوف، والخزائن المنحوتة في الجدران، والأعمدة والمنحوتات المنتشرة بطريقة فنية في جميع جنباته، تحيل زائره إلى صورة قصور الموسيقيين الكلاسيكيين في العالم.

لم يتبدل البلاط المزخرف لأرضية القصر، منذ بنائه قبل مئة عام، ولا تغيرت ألوانه، شظايا رصاصات الاحتلال نقشت قليلا دهان بعض الغرف، وهو المادة التي طليت به منذ البداية وما زالت تحافظ عليه، اضافة إلى عدة رسومات طبيعية وأشكال فنية بقيت بحالة جيدة، تمنح الزائر للقصر مساحة تأملية في فن ذاك الزمان.

في العام 1966 قررت عائلة شهوان بيع القصر، وتقدم الشقيقان فريد وجودة صلاح لشرائه، بعد أن باعا جميع أملاكهم وأراضيهم وسخروا كافة أموالهم للحصول على القصر، يقول جمال صلاح أحد مالكي القصر.

ويضيف صلاح: القصر كان نتيجة هجرة عائلة شهوان وصلاح في بدايات القرن الماضي –في حدود العام 1900-، الى التشيلي حيث بدأوا بإرسال أموال إلى أقاربهم في بيت جالا من أجل بناء القصر، حيث بدأ البناء فيه في عام 1914 وانتهى في عام 1917، ويوضح أن عائلة شهوان عرضت القصر في عام 1966 للبيع، فاشترته عائلة صلاح ( فريد وجودة صلاح)، ومنذ العام 1966 لم يضف إليه أية حجر أو اضافات.

وبين صلاح: حجارة القصر جاءت من المراح في بيت جالا (الحجر الأحمر)، ومن الصليّب الذي تحول اليوم الى مستوطنة جيلو، مسطح البناء 500متر، بينما المساحة الكلية للقصر والأراضي التابعة له تبلغ ثلاثة دونمات، كل قطعة فيه منحوتة على اليد بدون ماكنات أو أدوات آلية، منحوت فيه جميع الحيوانات والطيور، النحلة، الزرافة، القرد، النعامة، الأسد وغيرها الكثير.. دقاق الحجر الذي نحت الأشكال والمناظر الفنية شخص من عائلة رباع كان مشهورا في ذلك الوقت بحرفيته العالية في دق الحجر والنحت عليه.

امرأة تبدو في نهايات الستينات، مرت صدفة ونحن نجري مقابلة مع الكاتب أسامة العيسة، فقالت: سرقوا الطيور! ثم تبسمت ومضت، لحقنا بها على أمل معرفة ما الذي سُرق ومن سرقه، وطلبنا منها التحدث عن ذلك إلى الكاميرا مباشرة لكنها رفضت وأضافت قبل أن تكمل مسيرها: اسرائيل سرقتهم لما احتلت بيت لحم.

مصادفة المرأة دعانا لنتبين حقيقة ما روته لنا في ثوانٍ قليلة، توجهنا بالسؤال لصاحبة المنزل حول ذلك، فأكدت الحكاية لكنها لا تملك التفاصيل الكافية لصياغتها.

تحدث العيسة، لـ "وفا" حول القصر: في العام 2002 كنت شاهدا على تعرض القصر للقصف واصابة العديد من المواطنين أثناء قيامهم بعصر زيتونهم في المعصرة القديمة الخاصة بالقصر والواقعة في طابقه السفلي، اضافة إلى اصابة القصر إصابات مباشرة بقذائف الاحتلال أدت إلى أضرار في بعض نواحيه، وخاصة تمثال الأخوة، واعتبر القصف استهدافا للعمارة التقليدية الفلسطينية، حيث كانت بيت جالا في تلك المرحلة هدفا شبه يومي لنيران مستوطنة جيلو.

ودعا العيسة إلى الاسراع في ترميم قصر صلاح "آل شهوان سابقا"، مبينا أنه لا يخص العائلة وحدها، إنما هو إرث فلسطيني، من الواجب حمايته والحفاظ عليه كبناء فلسطيني جميل.

 

النحات جورج أنسطاس، قال لـ "وفا": كانت الحجارة تصل بشكل تكعيبي حجر واحد ثم يتم تقطيعه واستخراج ما يحتاجه البناء، وكانت تلك المرحلة هي مرحلة المخضرمين في دق الحجر "المرحلة الذهبية"، هناك ما لا يقل عن 20 منزل يمكن اعتبارها لوحة فنية في بيت جالا وبيت لحم، بعضها اهتم بكل الواجهات من الناحية الجمالية والفنية، وبيوت اهتمت فقط بالمداخل والابواب والشبابيك، لكن في معظمها تميزت بحسن التنفيذ وأناقة التصاميم.

وبحسب أنسطاس، فإن دراسة لتوفيق كنعان بينت أنه في العام 1910 كان هناك أكثر من 1200 دقاق حجر يعملون في منطقة بيت لحم، وهذا الأمر دفع إلى المنافسة في العمل ومحاولة كل دقاق إثبات براعته وتميزه عن زملائه، مما ولد براعة كثير من المباني في تلك المرحلة.

وأوضح أنسطاس، أن وجود المحاجر في منطقة بيت لحم وخاصة محجر الصليّب، جعل العاملين والمهتمين بالحجر يرفدون إليها، وخاصة من بيت صفافا والولجة، وكانت الناس في تلك الحقبة الزمنية إما تعمل في الأرض أو في الحجر، وكانت الدواب الوسيلة الرئيسية لنقل الحجر.

الباحث في أبو جورج، قال لـ "وفا": بنيت عدة قصور في بدايات القرن العشرين، بعد وصول أموال من التشيلي والأميركتين، وكانت دلالة على تحسن الوضع الاقتصادي لتلك العائلات وكنوع من المباهاة أمام أهالي البلدة، إضافة إلى جذب السائح الأجنبي الوافد إلى بيت لحم وبيت جالا والمنطقة.

وأضاف ابو جورج، هناك عدة قصور في بيت جالا، ابرزها قصر صلاح شهوان وقصر فرح الأطرش، وتصنفها البلدية كأماكن جذب وسياحة مهمة في المدينة، واضافة للعمل الفني فيها، فهي تتميز باتساع غرفها، مشيرا إلى أن حجارة تلك القصور كانت تنقل في الماضي على ظهور الجِمال، وكانت هناك عدة أسماء رائجة لدقيقة الحجر كأبو عيد، وابو رمان، وعائلة السقا، وتقريبا كل عائلة في بيت جالا كانت تملك عاملين ودقّيقة حجر.

 وتبلغ مساحة بيت جالا 14 ألف دونم، وتشتهر بزيت الزيتون، والمشمش. وكلمة جالا سريانية الأصل وتعني كومة حجارة، وبيت جالا في اللغة الآرامية تعني "بساط العشب وأرض الزهور والمراعي".

ويبلغ عدد سكانها 18 ألفا، وقد اضطر الآلاف من أبناء المدينة للهجرة خلال القرن الماضي بسبب الفقر والصراع في المنطقة ويزيد عددهم في المهاجر عن ثمانين ألف نسمة معظمهم في التشيلي ودول أمريكا الجنوبية والوسطى والشمالية. ويعتبر الحفر على خشب الزيتون وصناعة النسيج وصناعة الأدوية أهم صناعات المدينة.

ويقدر عدد الجالية الفلسطينية في التشيلي بأكثر من 350 ألفا، وتعد أكبر جالية من نوعها في أمريكا اللاتينية، ويعتبر اليوم فلسطينيو تشيلي من الاقليات الناجحة جدا فغالبيتهم ينتمون إلى الطبقة العليا والوسطى ومن المتعلمين كما وقد برز عدد منهم في السياسة والاقتصاد والثقافة والرياضة، ويعمل معظمهم في تجارة القطن والاقمشة.

وقد هاجر الفلسطينيون إلى تشيلي في وقت مبكر، مقارنة مع هجراتهم إلى باقي دول العالم. وكان معظمهم من بيت لحم، وبيت جالا، وبيت ساحور، ومن بعض المناطق الأخرى، حيث بدأت في أواخر القرن الثامن عشر وبداية القرن العشرين. وكان الداعي لهذه الهجرة، المصالح الاقتصادية بالدرجة الأولى، ومن جهة ثانية، لعبت سياسة التجنيد الإجباري العثمانية أثناء الحرب العالمية الأولى دوراً كبيراً في فرار عدد من الفلسطينيين إلى تشيلي، إلا أن أكثر موجات الهجرة جاءت بعد نكبة عام 1948م، والاحتلال اللاحق 1967م، وتبعها موجات هجرة واسعة في أعقاب الحرب الأهلية في لبنان، والاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982م. وكذلك جاءت موجات أخرى بعد الانتفاضة الفلسطينية الأولى والثانية، وترحيل الفلسطينيين من الكويت والعراق، على أثر حرب الخليج الأولى والثانية.

نطاق عمل أبناء الجالية الفلسطينية في تشيلي: يعمل الفلسطينيون في تشيلي في كافة القطاعات الاقتصادية، وعلى كافة المستويات، هناك رجال أعمال ومستثمرون كبار، وحسب التقارير الصحفية؛ فإن الجالية الفلسطينية تسيطر على 40% من الاقتصاد، ويوجد أكبر عشرة بنوك في تشيلي: ستة منها مملوكة لفلسطينيين، وهناك وزراء وأعضاء برلمان من أصل فلسطيني.

لذا تعتبر الجالية الفلسطينية الأغنى في العالم خارج فلسطين، فبعض الفلسطينيين التشيليين  ضمن قائمة أغنى أغنياء العالم. وهناك الكثير من المؤسسات التابعة للجالية الفلسطينية في تشيلي، ومن أهمها: نادي فلسطين "أسسه الوافدون الأوائل إلى تشيلي من فلسطين"، واسم النادي هو "باليستينو" وتأسس سنة 1920، وهو من الأندية العريقة في هذا البلد، وسبق له الفوز ببطولة الدوري والكأس أكثر من مرة، ومعظم مشجعيه هم من أبناء الجالية الفلسطينية، وهناك الفيدرالية الفلسطينية، ولجنة حق العودة، اللجنة الديمقراطية الفلسطينية، واتحاد المرأة الفلسطينية، والاتحاد العام لطلبة فلسطين، والمدرسة العربية، ومؤسسة بيت لحم 2000.

ومن أبرز الشخصيات البجالية في تشيلي، فرانشيسكو شهوان: وهو محام وسياسي تولى العديد من المناصب السياسية، منها: نائب رئيس الجمهورية، وعضو البرلمان التشيلي، والآن هو عضو مجلس الشيوخ التشيلي.

وبحسب بلدية بيت جالا، فإن المجموع الكلي للمهاجرين من بيت جالا وأسلافهم والذين يعيشون في التشيلي وجنوب ووسط أمريكا بالإضافة إلى الولايات المتحدة يبلغ 100.000 شخص تقريبا.