بحر غزة يتحول إلى بركة مجاري

63% من طول شاطئ غزة الكلي ملوث والنقص الحاد في الطاقة الكهربائية فاقم الأزمة

عاشور: العمل جار على قدم وساق لإنشاء محطات المعالجة المركزية وفق الخطط الاستراتيجية

غزة - الحياة الجديدة- عماد عبد الرحمن - استبشر الغزيون خيرا بالمصالحة الفلسطينية وإنهاء الانقسام الذي جسد حقبة تاريخية سوداء في تاريخ شغبنا، تلك الحقبة التي أعادت قطاع غزة لأزمان غابرة على جميع الأصعدة، وما أن تنفس الغزيون الصعداء حتى وجدوا أنفسهم أمام إرث ثقيل خلفته تلك الحقبة، ومهددون بفقدان متنفسهم الوحيد "بحر غزة " الذي طاله التلوث بنسبة كبيرة نتيجة الحصار وأزمة الكهرباء وضخ كميات مهولة من مياه الصرف الصحي شبه المعالجة وغير المعالجة يوميا في مياهه.

 

سلطة جودة البيئة

يقول  م. بهاء الأغا مدير عام حماية البيئة المكلف لـ"حياة وسوق" أن شاطئ بحر قطاع غزة يتعرض لضغوط الأنشطة البشرية المختلفة التي تتسبب بصورة متزايدة في تلوثه وتدهور جودته وأبرزها تصريف كميات ضخمة من مياه الصرف الصحي غير المعالج أو المعالج جزئيا يوميا فيه، الأمر الذي يهدد سكان محافظات غزة البالغ عددهم ما يزيد عن 2 مليون نسمة بالقضاء على متنفسهم الوحيد، مؤكدا أن نتائج الفحص الأخيرة لجودة مياه شاطئ محافظات القطاع (آب 2017) أظهرت تلوثه بنحو 63% من طول الشاطئ الكلي البالغ 40 كم، معتبرا هذه النتيجة أفضل نسبيا من نتيجة فحص شهر تموز الماضي، إلا أن التلوث ما زال يطال أغلب شاطئ غزة، مشيرا الى أن نتائج الفحص أظهرت أن نفوذ بلديات غزة وجباليا ومدينة الزهراء والنصيرات والزوايدة على البحر ملوث بالكامل وغير آمن للسباحة، في حين طال التلوث أجزاء كبيرة من نفوذ بلدية بيت لاهيا، وبدرجة أقل نفوذ بلدية دير البلح ومحافظتي خانيونس و رفح.

وأرجع الأغا تلوث أجزاء كبيرة من شاطئ البحر إلى النقص الحاد والمزمن في الطاقة الكهربائية اللازمة لتشغيل محطات ضخ ومعالجة المياه العادمة، بالإضافة إلى وجود قصور كبير في كفاءة وفعالية محطات معالجة المياه العادمة نتيجة الحصار المفروض منذ عقد من الزمان على القطاع، والسياسات الإسرائيلية التي تعيق تطوير وصيانة محطات ضخ ومعالجة المياه العادمة وتطوير البنية التحتية بصورة عامة، وهو ما يؤثر سلبا على البيئة والثروة السمكية  والمواطنين حسب تقارير منظمة الصحة العالمية(WHO) التي بينت في تقاريرها أن السباحة في مياه ملوثة بالصرف الصحي تتسبب في حدوث التهابات الجهاز التنفسي العلوي والتهابات العيون والآذان وتجويف الأنف والجلد إضافة الى التهابات الجهاز الهضمي لمن يبتلعون هذه  المياه أثناء السباحة.

 

أسباب الأزمة

من جانبه يقول م. فريد عاشور مدير وحدة إدارة مشروع الصرف الصحي المركزي في غزة لـ "حياة وسوق" ان الحديث عن تأثيرات مياه الصرف الصحي على البيئة معروفة لدى الجميع وهي مشكلة قديمة أدركتها السلطة الوطنية منذ قدومها عام 1995، وقامت من خلال وزارة التخطيط والتعاون الدولي بوضع خطط استراتيجية لحل كثير من مشاكل الصرف الصحي في القطاع من ضمنها إنشاء محطات معالجة مركزية للتخلص من الحفر الامتصاصية  المنتشرة في القطاع بأعداد مهولة " آبار المجاري" التي لها تأثيرات سلبية على البيئة والخزان الجوفي لاتصالها شبه المباشر بهخاصة المناطق القريبة من الساحل وكلما اتجهنا شرقا.

في العام 1996 وضعت كامل الخطط الرئيسية للصرف الصحي ووضعت خطط لإنشاء 3 محطات معالجة مركزية متمثلة بمحطة معالجة لمنطقة الشمال ومحطة معالجة مركزية للمنطقة الوسطى تخدم مدينة غزة والمحافظة الوسطى بجانب محطة الجنوب التي تخدم مدينة خان يونس ورفح وكان مفترض تطبيق المرحلة الأولى منها عام 2005 للتخلص من تلك الحفر والتحول الى أنظمة شبكات صرف صحي يتم تجميع المياه العادمة من خلال شبكات الصرف الى محطات ضخ ومن ثم الى محطات معالجة، لكن نتيجة انتفاضة الأقصى جمدت كل هذه الخطط وحدث الانقسام بعدها لتؤجل مرة أخرى 10 سنوات، وأصبح تأثير تأخير هذه المحطات واضحا جدا على الخزان الجوفي وعلى مصادر المياه الموجودة في القطاع والبيئة بشكل عام.

ويضيف عاشور أن تأخر إنشاء محطات المعالجة دفع المسؤولين في المنظمات الدولية وسلطة المياه الى خلق بدائل تمثلت في إنشاء محطات معالجة صغيرة تخدم مناطق محددة وهذه المحطات لا تعتمد تكنولوجيا مكلفة، وتعتمد على تجميع المياه العادمة وعلى الطبيعة من أجل خفض المحتوى الكربوني فقط، كما تم تطوير محطة الشيخ عجلين بغزة وتطوير محطة معالجة الشمال ورفح ورفع قدرتهم الى درجات معينة للتخفيف من العبء البيئي التي تسببه مياه الصرف الصحي، وكانت هذه المحطات تستوعب كميات الصرف الصحي وقتها ولكنها أيضا اتبعت نظام متواضع في عملية المعالجة واعتمدت على نظام المعالجة اللاهوائية، أو المعالجة الهوائية عن طريق أبراج التهوية، وهذه في حد ذاتها لا تصل الى مراحل متقدمة في المعالجة وكانت في النهاية تصب هذه المياه بعد تخفيفها نوعا ما في البحر سواء في رفح أو الشيخ عجلين، وفي الشمال كانت تجمع في بركة بيت لاهيا  لعدم وجود مخرج لها على البحر.

 

الخطر الحقيقي

ويشير عاشور الى أن الخطر الحقيقي في المياه العادمة ليس في المحتوى الكربوني فقط، وإنما المحتوى الميكروبيلأنه عندما يتم الحديث عن مياه الصرف الصحي نجد فيها محتوى كربوني ونيتروجيني وفسفوريوميكروبي، وعوامل أخرى لها تأثيرات على مياه البحر والخزان الجوفي وتزيد من مستوى النترات في الخزان الجوفي، ومعظم محطات العالم تتعامل مع هذه المحتويات الأربعة، ولكننا في قطاع غزة بالمحطات الموجودة حاليا نتعامل فقط مع محتوى واحد وهو الكربوني لإزالته أو خفضه، ويبقى المحتوى الميكروبي المسبب للمشاكل الصحية، والذي توجد أكثر من طريقة لإزالته مثل استخدام غاز الأوزون والأشعة البنفسجية او استخدام مادة هيبوكلوريت الصوديوم  "الكلور" وهذا تكلفته مرتفعة جدا لا تستطيع البلديات تحملها وله آثار جانبية عند اختلاطه بماء البحر إن وجد مع المياه العادمة مسببا مكونات سرطانية، فيتم استخدام الطرق البدائية بالاعتماد على الطبيعة وتعريض المياه العادمة لأشعة الشمس لفترات طويلة في أحواض تسمى أحواض الترويق للتخلص من جزء بسيط من المحتوى الميكروبي قبل صبها في البحر.

 

أزمة الكهرباء تفاقم الأوضاع

ويتابع عاشور: كان الوضع في ظل جدول كهرباء الـ 8 ساعات شبه كارثي لأننا كنا نتحدث عن ما يقارب 25000 متر مكعب مياه صرف صحي تصل يوميا لمحطة معالجة رفح و20000 متر مكعب لمحطة خان يونس و15000 متر مكعب لمحطة المنطقة الوسطى و55 ألف متر مكعب لمحطة غزة ، أي 105 ألف متر مكعب مياه عادمة تستقبلهم محطات المعالجة يوميا، وهي المحطات القائمة حاليا والمقامة على الشريط الساحلي، بجانب 30 ألف متر مكعب من مياه الصرف الصحي تذهب لمحطة الصرف الصحي في الشمال لا يوجد لها تصريف في البحر، وكانت هذه الكميات شبه معالجة قبل صبها في البحر،  ولكن في ظل 4 ساعات كهرباء في اليوم مقابل 12 فصل، أصبح الوضع أكثر كارثية حيث اضطرت البلديات الى تحويل مياه الصرف الصحي مباشرة من المضخات الى البحر وأصبحنا نتحدث عن 100 ألف متر مكعب من مياه الصرف الصحي تصب  يوميا قي مياه البحر غير معالجة أي ما يعادل حوالي 40 مليون متر مكعب سنويا.

 

نهاية الأزمة

ويؤكد عاشور أن العمل الآن جار على قدم وساق في إنشاء محطات المعالجة المركزية وفق الخطط الاستراتيجية التي وضعت عام 1996 والمراقب للوضع سيجد أن محطة معالجة الشمال المركزية أصبحت شبه جاهزة وبانتظار بعض الأعمال لبدء التشغيل بداية العام 2018، وكذلك محطة معالجة شرق البريج المركزية الأكبر في فلسطين تحت الإنشاء وفي مراحل متقدمة ومن المقرر أن ينتهي العمل فيها منتصف عام 2019 ، وكذلك محطة معالجة خانيونس، ويفترض مع أنتصاف العام 2019 تنتهي أزمة ضخ مياه الصرف الصحي في البحر والى الأبد.

 

ضمان الاستمرارية

ويختتم عاشور حديثه بأن وجود محطات المعالجة بشكلها النهائي ليس هو نهاية الأزمة، وإنما النهاية الحقيقية تكمن في التزام المواطنين بدفع فاتورة خدماتهم لأن الحفاظ على ديمومة العمل واستمراريته أهم  فمن السهل إيجاد دعم لإنشاء محطة هنا أو هناك  ولكن الصعب المحافظة على استمرارية عملها، فالجهات المانحة توفر الدعم اللازم لإنشاء المحطة وربما تغطي تكلفة تشغيلها فترة قصيرة من الزمن ولكنها ليست مستعدة لدفع ضرائب مواطنيها لتشغيل تلك المحطة، فهدف الممولين مساعدتنا للوقوف على أرجلنا ولكن يجب علينا المضي قدما والاستمرار، فالمحطات الجديدة تحتاج الى كهرباء وعمال وموظفين ومواد كيميائية  للمعالجة ومبالغ كبيرة لتشغيلها، خاصة وأننا رفعنا كفاءة عملها ونوعية المياه الخارجة منها لضمان بيئة صحية وجميلة وبحر نظيف.