الشاعر الفلسطيني أحمد يعقوب... شعريةً مكثفةً وحيويةً.

بيلار غونثالث اسبانيا [1]

يبدو أن العالم قد تواطأ ، وبدقة أكثر، كباره الجبابرة. كل ذلك ، في سبيل أرباحهم، يسعون لتدمير طمأنينتنا وراحتنا، روحنا، المكان الوحيد الذي من خلاله يمكن تشييد وتحصين معبد إنسانيتنا.

إذا لم يهاجموننا بشكل غير مباشر، عبر مهمات هائلة  وغبية ، و عبر ملايين  الانشغالات التي تمنع التركيز في  المهم وفي  المهنة الحقيقية ، فإنهم يهاجموننا بشكل مباشر،  يقلصون الإنسان كي لا يجد وقتاً سوى للبقاء على قيد الحياة فقط : أو يسحقونه اقتصاديا كي يبقى  على عتبة الفقر ، عتبة ، البحث عن الخبز ، الذي يحتل الــــ( 100% ) من المهمة الحيوية. أو  بشكل أفضل،  يهاجمونه بمضايقات، بإساءة معاملته، وبأسلحة حقيقية.

النتيجة دائماً هي نفسها : لا وقت لدينا للعيش. ألا يوجد لديك وقت للحياة ؟ هذا هو الموت ذاته. النجاة تـَـُدفعُ بالمعاناة، وهذه هي نقود المقايضة.

أن لا يكون لديك وقت هو أمرٌ في غاية الخطورة ، يمكن أن يتعرض له  إنسان حيّ. ماذا تعني حياة بلا وقت؟ تعني إضاعة الحياة، الحياة الوحيدة التي نملكها.

بلا وقت يعني من الصعوبة ، إن لم يكن مستحيلاً ، أن تتأمل، أن تتضامن، أن ترحم ، أن تنمو ، أن تكون روحانيا.

بلا وقت يصبح أحدنا عدوانياً، مشوشاً، هيستيرياً،انسحابياً، سطحياً وكئيباً.

لكن ، يوجد رجال ، عظماء ، فنانون ، أحيانا يدفعون  ثمن حياتهم ، ثمن راحتهم ، مع أنه لا وقت لديهم، يدفعون كلَّ شيء، كي لا يكونوا  محشوريين و محصوريين كالبهائم في حظيرة ، فهم قادرون على التعبير عن غضبهم ، عن ألمهم، عن قلقهم وعن ثورتهم ضد امتهان العدالة.

هم قادرون على مواجهة العزلة  , وعلى امتشاق كل أدوات الكتابة ( لم تعد كثيرة فالكومبيوتر هو الوحيد الآن).. بما يمكنهم على توريث الذاكرة إلى البشرية ، ذاكرة جيلهم وذاكرة شعبهم، وبشكل أكثر حميمية نجد أدوات كالموسيقى والأدب والفن.

أحمد يعقوب هو واحدٌ من الشعراء المهمين في فلسطين، مثقفٌ حقيقيٌ، وقبل ذلك هو فنان بحساسية عالية ،وبمساحات كبيرة للتعبير عن نفسه، وللتأمل ،والتحليل ،وطرح الأسئلة.

وفي ما وصلني من أعماله المكتوبة بالإسبانية ، فإن شعره وريشته وعباراته إنما هي تعبير عن نوعية استثنائية ،وطراز خاص  ينتمي إلى الشعرية العالية.

لقد بذلت جامعة مدريد المستقلة جهوداً حقيقية  ليحضر أحمد يعقوب ويكون بيننا، ونحن فخورون أننا حققنا ذلك.

لقد كان طريقاً شاقاً،  مليئاً بالمنغصات والإحباطات. وبتغيير مواعيد السفر، وبالبقاء على  حدود دول لا تسمح له بالدخول ، وفي النهاية ، أظن أن ذلك، كان ليكمل ما يمكن أن يطلق عليه رحلة كافكوية، تشكل جزءً من الأوديسة ،التي ربما سيكتبها بطريقة كوميدية.

لكن جهد أحمد  كان أكبر مما  بذلناه، كان على وشك أن يعلن إضرابا عن الطعام، وبهذا أكون قد قلت لكم كلَّ شيء.

لكنه هنا بيننا، وهذا شرفٌ لي ، باسم جامعة مدريد المستقلة التي سهلت وصوله للقاء طلاب هذه الجامعة ، وكذلك جميع  الأشخاص الذين جاؤوا اليوم لمشاركتنا . ولنا الفرصة والحظ لسماع أحمد يعقوب ، الشاعر والكاتب، وقبل ذلك ،هو فلسطيني من مواليد سوريا وعاش في كوبا.

أترككم مع شاعرٍ حقيقيٍّ ، والذي أتجرأ على تصنيفه بـ" لوركا" فلسطين.. شاعرٌ بلا وقت ، لكنه يُحرزُ في لحظات  حريته شعريةً مكثفةً ،حيويةً ،ولا توصف .

[1] الكلمة الترحيبية بالشاعر أحمد يعقوب في جامعة  مدريد القتها البروفسورة بيلار غونثالث اسبانيا، عميدة اداب الشرق