اقتصادان في اسرائيل

هآرتس/ ذي ماركر – البروفيسور يوجين كندل *

يوجد اقتصادان في اسرائيل. الأول هو اقتصاد الحداثة الذي يشكل نموذجا للاعجاب في كل أرجاء العالم، أما الثاني، فباقي فروع الاقتصاد، الذي يعاني من انتاجية عمل متدنية، ويتوجه أساسا الى الأسواق المحلية ويوجد على مسافة قريبة من الأرضية السفلى في معظم الجداول في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية "OECD". والتمييز الحاد بين الاقتصادين والفوارق فيما بينهما هي حقائق معروفة، ونحن في جمعية مركز أمة الاستحداث نشدد في السنتين الأخيرتين على الحاجة الى الاعتراف بذلك والاستعداد بما يتناسب معه.

ولكن، مؤخرا تتزايد الأصوات التي تدعي بان نجاح التكنولوجيا العليا جاء على حساب باقي الاقتصاد. وحسب هذا الادعاء فان اقتصاد التكنولوجيا العليا الناجع والحديث يحتل نصيبا كبيرا في التصدير الاسرائيلي على حساب صناعات تصديرية أخرى كان يمكنها زعما ان تنمو هنا. ولاضافة الخطيئة الى الجريمة، فانه يجتذب ايضا العقول الأكثر ألمعية ويمنع قطاعات اخرى من التمتع بكفاءاتهم. ويمكن للقراء وللسياسيين ايضا ان يتوصلوا الى الاستنتاج الشعبوي بان الاقتصاد الاسرائيلي هو ضحية أمة الاستحداث. اذا واصلنا هذه الرواية، التي تحدث عناوين رئيسة، ففي غضون وقت قصير من شأن التكنولوجيا العليا ان تنضم الى البنوك والى الرأسماليين كعدو للأمة.

ان صناعة الاستحداث الاسرائيلية ليست تهديدا يقف أمامه الاقتصاد الاسرائيلي بل أملنا المركزي. ففضلا عن حقيقة ان هذه الصناعة وأهلها يدفعون نسبة كبيرة من عموم الضرائب، فانهم يساهمون مساهمة حاسمة في أمن اسرائيل وفي قدرة الاقتصاد الاسرائيلي على مواجهة تحديات القرن الـ 21. والحداثة الاسرائيلية هي التي أدت بعشرات الدول، ومئات الشركات متعددة الجنسيات ان تصبح شريكة استراتيجية لاسرائيل. بلا الحداثة، معظمها كانت ستتجاهلنا أو ستندد بنا. من الصعب التقليل من أهمية المنفعة التي تجلبها صناعة الحداثة لاسرائيل.

وبالفعل، توجد أيضا كلفة. فهذه الصناعة هي مكان عمل جذاب جدا، يسمح للكثير من العاملين فيه تحقيق ثراء كبير، وكتحصيل حاصل يوسع هذا من عدم المساواة في المداخيل في اسرائيل. وقبل عقد لجنة تحقيق على ذلك، من المهم ان نتذكر الميزة الأكثر مركزية لصناعة الحداثة – ريادتها. فاسرائيل توجد في منافسة متعاظمة من جانب دول عديدة على الشركات، المستثمرين والعاملين ذوي الكفاءات المناسبة. فالكثيرون لأسفنا يغادرون، ولكن صحيح حتى اليوم فان معظم الصناعة لا تزال باقية هنا. يخطئ الكثيرون في التفكير بأننا احتلينا مكاننا كرواد للحداثة الى الأبد. ولكن الحقيقة المريرة هي أن علينا ان نقاتل كل يوم في سبيل مكانتنا. ففي العالم التكنولوجي المتغير على الدوام، لا مجال للبقاء في المكان: فإما ان تكبر أو تختفي. والخوف هو أن الهجمات على صناعة التكنولوجيا العليا سرعان ما ستؤدي الى وقف النمو في المرحلة الاولى، وبعد ذلك الى تدهور سريع سيكون من الصعب جدا اصلاحه.

إذن ماذا يتعين علينا ان نعمل؟ أولا، نحن ملزمون بالجواب على السؤال: هل نحن معنيون بأن نواصل كوننا رواد الحداثة التكنولوجية؟ في حالة أنه نعم، فان علينا أن نعترف بحقيقة أن الفوارق بين الاقتصادين لن تتقلص بشكل كبير في السنوات القريبة القادمة. ولأسفنا لا توجد اعمال سحر في الاقتصاد. والاعتراف بان الحديث يدور عن اقتصادين منفصلين يؤدي الى عدة اتجاهات عمل يجب أن تكون على رأس جدول الأعمال الوطني. فالمنافسة من جانب الدول الأخرى تتطلب من الحكومة ان تخلق يقينا اداريا أكبر ونظام ضريبي يبقي اسرائيل قادرة على المنافسة من ناحية صناعة التكنولوجيا العليا. هذا شرط ضروري كي تواصل الصناعة البقاء في اسرائيل. واضافة الى ذلك علينا ان نحرص على ان تكون أبواب صناعة التكنولوجيا العليا مفتوحة لكل القطاعات.

أما الفوارق بين الاقتصادين فسيكون من الصعب ادراكها بسرعة. ولكن الهدف هو الا يكون مكان سكنك وتعليم أبويك عنصرا حاسما في مسألة اذا كان بوسعك ان تنضم الى اقتصاد التكنولوجيا العليا. وفضلا عن الأهمية الشديدة لمساواة الفرص، فان النقص المتزايد في القوى البشرية الخبيرة ببساطة لا يسمح لنا بان نبقي الطاقة البشرية الكامنة بلا تحقق. اضافة الى ذلك، فاننا ملزمون بخلق منظومة حوافز للشركات للبقاء والنمو في اسرائيل، بدلا من تصعيب الأمور عليها. شركات كبرى تشغل على كل مهندس نحو 4 عاملين غير مهندسين بأجر محترم، علينا أن نتأكد باننا نشجع الشركات على النمو والاتساع من خلال سياسة حكومية واضحة ومستقرة.

تعالوا لا نتهم صناعة التكنولوجيا العليا بانتاجية العمل والأجر المتدنيين لباقي الاقتصاد. هناك اصلاحات عديدة يمكن العمل عليها بالتوازي لمساعدة باقي فروع الاقتصاد. فتخفيض البيروقراطية، اعطاء يقين للمستثمرين والشركات، تغيير احكام وعلاقات العمل (مثلما فعلوا في السويد والدنمارك) بهدف التصدي لسوق العمل المتغير وغيره. لا مناص من هذه الخطوات، والسؤال الوحيد هو اذا كنا سننجح في التخطيط والتنفيذ لها انطلاقا من رؤية استراتيجية أو في اعقاب أزمة اقتصادية تجبرنا على أن نرد بألم وكلفة كبيرين.

لقد اتخذت الحكومة في السنوات الأخيرة عدة خطوات هامة في هذه الاتجاهات، ولكن التحديات التي نقف امامها كثيرة والمهامة لا تزال واسعة. ويمكن لوسائل الاعلام ايضا ان يكون تأثير ايجابي في رفع المسائل الاستراتيجية الهامة الى جدول الأعمال العام، ومراقبة خطوات الحكومة، والضغط الدائم لمواجهة التحديات في ظل اتخاذ القرارات الصعبة. وكبديل يمكن للاعلام ان يواصل البحث عن العدو الجديد وتحريض الجمهور عليه بعناوين رئيسة فضائحية. رغم ان هذا مغر، الا ان علينا جميعنا ان نفكر بالآثار. فالتكنولوجيا العليا هامة اكثر من أن نجعلها بشكل غير متعمد العدو الجديد. تعالوا نجعلها مصدر الهام وأمل بأننا قادرون على المبادرة وتغيير وجه اقتصاد اسرائيل كله. مستقبل ابنائنا متعلق بذلك.

----------

* رئيس مجلس الاقتصاد الوطني الأعلى سابقا ومدير عام جمعية مركز أمة الاستحداث