خلطة مش زابطة

تغريدة الصباح..حنان باكير

رسالة من صديق فيسبوكي وصلتني على الخاص. قال بأني أناقض نفسي في كتاباتي، ونبّهني مشكورا الى ضرورة الحذر والانتباه. لم أرد على الرسالة، لأني نادرا ما أدخل على الخاص، فالخاص للأمور الخاصة والضرورية. لكن لا بأس، ما دام قصده الهداية والتنبيه. في الحقيقة لم يزعجني النقد بشكل شخصي. لكنه أعطاني الدليل على حالة التشوش الذهني والفكري التي تسود مجتمعاتنا العربية. وسأستعير وبدون إذن، عنوان الكتاب الجديد للصديق الروائي جميل السلحوت" ثقافة الهبل وتقديس الجهل" رغم أني لم أقرأه، وإن قرأت شيئا عنه.
وبدون "لت وعجن"، يستغرب الصديق، وهذا ما ظنه، تناقضا، كيف أكتب الوطنيات الرائعة، وهو يعتبرني أما لفلسطين وكل الفلسطينيين، وفي الوقت ذاته أنتقد الحركات الدينية! أين أنت يا زياد الرحباني.. "شو خص هيدي بهيدي، كيف خلطن مع بعضن يا خيّ"! واعترض الصديق على نقدي، لمحاولات نقل القضية الفلسطينية من مدارها السياسي الى صراع ديني.
ببساطة.. لو لم يحتل بعض اليهود وطننا، فهل كان هناك صراع ديني بين الديانتين الإبراهيميتين، في وقت يعتبرون أنفسهم أبناء عمومة! وهم، أي جماعتنا، ينكرون بذلك، الوجود الكنعاني الفلسطيني، على أرض فلسطين قبل ظهور النبي ابراهيم، فيتقاطعون بذلك مع الرواية الإسرائيلية، بأنه لا يوجد شيء اسمه الشعب الفلسطيني، خلافا للمرويات التوراتية، التي ورد فيها اسم فلسطين، وأرض الفلسطينيين، في مواقع كثيرة، وخاطب الإله يهوه جماعته المختارة، بالغرباء في أرض الفلسطينيين، وطلب منهم أن يتغربوا في أرض فلسطين، ودعاها بأرض غربتهم! ولا أذكر الصديق، ومن يذهب مذهبه، بالجزء المسيحي من شعبنا، الذين ناضلوا واستشهدوا في سبيل الوطن، ولا الكم الكبير من أعداد المطارنة والبطاركة المناضلين.
وبالمناسبة، وربما من باب الاستطراد، أذكر بعض التعليقات، على الاعتصام الذي قام به، جزء من شعبنا، احتجاجا على تصرف البطرك اليوناني، بأملاك الوقف الأرثذوكسي، فكانت فرصتهم للنيل من نضال طائفتنا الكريمة منذ حوالي مئتي سنة، من أجل التحرر من تسلط الإكليروس اليوناني على الطائفة. ومعركتهم التي أوشكوا على كسبها، في اربعينيات القرن الماضي، لكن نكبة ال 48، أفشلت محاولات شعبنا بأكمله، ووقعت فلسطين كلها تحت احتلال غاشم! ومن باب التذكير فقط، نقول: إن من منح بعض الرهبان اليونانيين الصلاحيات والامتيازات، والتسلط على طائفتنا الكريمة، هي دولة الخلافة العثمانية!
يعمد الخطاب الديني، على وعود بالجنة والحور العين، للشهداء الأبرار، فيما الشباب يندفعون للاستشهاد في سبيل أرضهم وبيوتهم وبياراتهم، وليس طمعا بالجنة الموعودة. فالهبات الشعبية وانتفاضات شعبنا، هي ضد الاحتلال فقط! وهذه غريزة طبيعية في الإنسان، أيا كان إيمانه، أو عدم إيمانه..
ففي اسكندينافية، الملحدة بشكل عام، يروي تاريخها البطولات التي خاضوها ضد من حاول الاعتداء على حريتهم وأرضهم. في النرويج، كثيرا ما ترى نصبا للشهداء ولأبطال تحرير النرويج من الاحتلال النازي. في منطقة "بيغ دوي" هناك نصب، يحمل أسماء الشهداء، الذين قاموا بتفخيخ البوارج والمياه الإقليمية النرويجية، لمنع الإنزال الألماني على أرضهم.
وفي غابة بولونيا في باريس، وحول شجرة فيها، أقيم شبه مزار. ما زال الفرنسيون، يضيئون حولها، الشموع ويضعون باقات الزهر، وتركوا آثار الرصاص على جذع الشجرة الباسقة، ذكرى لثلاث عشرة عسكريا فرنسيا، تم إعدامهم بالرصاص عليها، من قبل الاحتلال الألماني! هؤلاء لم يسقطوا كرمى الجنة والحور والعين، هم آمنوا بأرضهم وحقهم في وطن أسلافهم.
مؤسف أن بعضنا، يصر على خلط الدين بالسياسة، من خلال تسييس الدين، وإلباس قضيتنا السياسية والوطنية، عمامة وجلبابا.. وهنا مكمن الخطورة، سيما بعد أن نجحت محاولات لا حصر لها في تشويه الدين، وحرفه عن رسالته الأخلاقية. فيا صديقي، أتمنى أن أكون قد أجبت على اتهامك، واذا ما أردت الفوز بالحور العين والجنة، فلك ما شئت، ونحن على استعداد للشهادة من أجل تراب أرضنا الطيبة، وحقنا التاريخي في أرض أسلافنا.. الذين تنادوا فزعات للدفاع عن المدن والقرى، المعتدى عليها، دون انتظار ثواب ما.. لكن من أجل البقاء في أرض الجدود!