صفقة القرن... و"الفنكوش"

أنور رجب

"صفقة القرن" هو المصطلح الذي شاع في وصف رؤية الرئيس الاميركي دونالد ترامب لتسوية القضية الفلسطينية باعتبارها "قضية القرن"، وأخذ هذا المصطلح مكانه في خطابات وتصريحات العديد من رؤساء دول المنطقة، كما احتل مساحة كبيرة في الأوساط السياسية والإعلامية، وكل ذلك جاء في سياق المحاولات لفهم طبيعة ومعنى ومغزى هذا المصطلح، بيد أن النتيجة التي يمكن الخلوص إليها أن جميع تلك المحاولات فشلت في أن تخرج برؤية واضحة وجامعة لماهية "صفقة القرن" والأركان القائمة عليها، أو على اقل تقدير ملامحها، والسقف الممكن أن تصل إليه، وكان من البديهي وفي ظل حالة الغموض الذي يكتنف هذه الصفقة أن تكون الآراء والتحليلات الناتجة عن نقاشها مختلفة ومتباينة ومتعارضة في أحيان كثيرة تبعاً للتفسير الذي يعتمده الطرف صاحب المصلحة في هذه الصفقة. فقد جاء ترحيب القيادة الفلسطينية ودعمها لصفقة القرن انطلاقاً من تأييدها وتفاعلها مع أي مجهود من شأنه أن يفضي إلى تحقيق تسوية للقضية الفلسطينية "وفق الرؤية الفلسطينية"، لا سيما وأن الدور الاميركي هو الراعي الرئيسي لعملية السلام، بالإضافة إلى أن مفهوم الصفقة يعني إيجاد حل جذري للصراع القائم، خاصة وأن الرئيس ترامب عبَر في أكثر من مناسبة أنه يود أن تنجح إدارته في التوصل إلى اتفاق سلام في الشرق الأوسط، ليس هذا وحسب وإنما أراد أن يكون هو الشخص الذي يحقق السلام بين إسرائيل والفلسطينيين، على اعتبار أن هذا سيكون إنجازاً عظيماً يحفظ في سجله، الأمر الذي أعطى انطباعاً بجديته، وربما هذا ما يفسر ترحيب العديد من الزعماء العرب بصفقة القرن، واستعدادهم للتعاون لتحقيقها وفي مقدمتهم الرئيس السيسي والعاهل الأردني الملك عبد الله.

سيناريوهات واجتهادات عديدة ظهرت حول ملامح وبنود هذه الصفقة، منها ما هو متشائم يميل لنظرية المؤامرة في تفسيره لها مستنداً إلى الدعم والتأييد الغير مسبوقين من قبل الرئيس الاميركي وفريقه لإسرائيل وأحياناً لغرض في نفس يعقوب، ومنها ما هو متفائل من باب "تفاءلوا بالخير تجدوه"، أو منطلقاً من قناعة بأنه لا يمكن فرض حلول على الشعب الفلسطيني وقيادته. وزاد من حالة الغموض والارتباك غياب رؤية "حل الدولتين" من خطاب الرئيس ترامب وتصريحات مستشاريه ومبعوثيه المكلفين بملف عملية السلام، معتبرين أن حل الدولتين ليست هي الصيغة الوحيدة التي من شأنها أن تضمن تقرير المصير  للفلسطينيين، وفي الوقت ذاته الأمن والسلام للإسرائيليين، بينما تحظى هذه الرؤية بإجماع دولي بما فيه إجماع رؤساء الولايات المتحدة السابقين، باعتبارها الوصفة النموذجية لتحقيق السلام في المنطقة.

الآن وبعد مضي نصف عام على تنصيبه رئيساً للولايات المتحدة، وبعد تشكيل فريقه المكلف بعملية السلام في المنطقة، وقيام هذا الفريق بعقد لقاءات مكثفة مع زعماء المنطقة ومستشاريهم من ذوي العلاقة، والقيام بجولات مكوكية بين الفلسطينيين والإسرائيليين والاستماع لآرائهم ومواقفهم وأفكارهم حول الحلول التي يرون أنها تصلح لتشكل الأساس الذي يمكن أن تقوم عليه صفقة القرن، اتضح أن الرؤية الأميركية منحازة للموقف الإسرائيلي وتتماهى معه، خاصة بعد أن تبين أن ما يحمله مستشار ترامب وصهره جاريد كوشنير المكلف كوسيط لعملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ومبعوثه لعملية السلام جيسون غرينبلات للقيادة الفلسطينية لا يتعدى مقترحات حول تحسين الوضع الاقتصادي في الضفة الغربية، وتحسين شروط الحياة اليومية للفلسطينيين، وتفاصيل صغيرة لا تُذكر إذا ما تم وضعها في الإطار السياسي الشامل، وما تنتظره القيادة الفلسطينية من حراك جاد وحقيقي في عملية السلام يكفل ويضمن ويقود إلى تحقيق إقامة الدولة الفلسطينية كاملة السيادة على حدود 67 وعاصمتها القدس الشرقية، التي أكد عليها الرئيس أبو مازن في لقائه مع الرئيس ترامب سواء في واشنطن أو في بيت لحم، وكذلك لمبعوثيه كوشنير وجرينبلات، وهو ما يمكن اعتباره التعريف والوصف والفهم الفلسطيني لمصطلح "صفقة القرن"، ويحمل تأكيد الرئيس في كل خطاباته لهذا الموقف رسائل شديدة الوضوح بأن هذا سقفنا والحد الأدنى لما يمكن أن نقبل به، ليس هذا وحسب فقد جاءت قرارات الرئيس أبو مازن الأخيرة التي تزامنت مع معركة الأقصى كرسالة أكثر صرامة وحزماً ليس لإسرائيل وحسب، وإنما للولايات المتحدة أيضاً لإعادة النظر في سياساتها وخياراتها فيما يتعلق بالعملية السلمية، والأسس التي يمكن أن تقوم عليها "صفقة القرن" في حال كانت حقيقية. 

"صفقة القرن" وما واكبها من تفاعل واسع من جهات رسمية بمختلف مستوياتها، وما حظيت به من اهتمام في الأوساط الإعلامية والبحثية من جهة، والطريقة التي تدير بها الإدارة الأمريكية العملية السياسية بين الفلسطينيين والإسرائيليين (جوهر صفقة القرن) من جهة أخرى، تذكرنا بفيلم "واحدة بواحدة" للفنان المصري عادل إمام، حين جسد شخصية رجل إعلانات، واستخدم مصطلح "الفنكوش" لسلعة وهمية لا أصل ولا وجود لها لا على ارض الواقع ولا في خيال صاحبها، وبدأ بحملة إعلامية ضخمة للترويج لهذه السلعة، فذاع  صيتها، وأصبحت إعلاناتها ضيف دائم على شاشات التلفزيون والصحف، وتهافتت الشركات لتحصل على نصيبها من السلعة قبل أن تنفذ من السوق، وحين بدأ البعض يتحدث حول "الفنكوش" بأنه مجرد كذبة قائمة على خداع وتضليل الناس وبيع الوهم، اضطر صاحب "الفنكوش" أن يخترع سلعة بائسة لا تتناسب مع الحد الأدنى من الضجة التي أُثيرت حول سلعته الوهمية. ومن الواضح وفي ظل المعطيات القائمة أننا أمام "فنكوش" من نوع آخر، من حيث القضية ومن حيث اللاعبين وأدوارهم، ومن حيث حجم الوهم والخداع الذي تسعى إدارة ترامب لتروجيه، وتسويق سلعة بائسة اسمها "صفقة القرن" ولكن بأثمان باهظة، وربما نجد في إجابة جاريد كوشنير حين سُئل من قبل مجموعة من المتدربين في الكونغرس عن كيفية إدارة المفاوضات في المستقبل بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، واحتمالات نجاحه بالتوسط للوصول إلى اتفاق سلام بين الطرفين، ورده "لا اعلم... سنقوم بكل ما في وسعنا مع الأطراف من اجل التوصل لحل هذا النزاع"، ما يشير إلى أننا فعلاً أمام "فنكوش" اسمه صفقة القرن.