انت من قال لنا

في الذكرى التاسعة لرحيل شاعر فلسطين الاكبر محمود درويش اسمحوا لي ان اروي لكم ما قاله الزعيم الخالد ياسر عرفات، عن درويش، اثر واقعة التباس نقدية، حدثت في سهرة حوار ثقافي وادبي وسياسي في ليلة بغدادية، بعد سنة تقريبا من انتهاء الحرب العراقية الايرانية، كنت في هذه السهرة التي ضمت شعراء وكتاب ادب وسياسيين ودبلوماسيين فلسطينيين، وكانت ثمة سيدة بيننا لها ما لها في حقول الادب والنقد، في هذه السهرة هاجمت هذه السيدة، محمود درويش على نحو نقدي وبشكل انفعالي، بشأن مجموعته "ورد اقل" امتعض الحاضرون جميعا وردوا الهجوم عليها، فيما ظل درويش وحده صامتا،ولم يطل في ذلك حتى غادر السهرة بعد ان القى بضع عبارات ساخرة للمضيف, الذي حاول عبثا ان يبقيه, ولكن الشاعر كان قد وصل باب المغادرة, ولحقت به كي اوصله الى الفندق الذي ينزل فيه .
كان ياسر عرفات في ذلك الوقت في بغداد، وكنت اذهب صباحا كلما كان هنا الى مقر اقامته، ما ان شاهدني حتى استدعاني وقال لي " ماذا حدث مع محمود درويش يوم امس يا محمود " ذهلت ان الواقعة كانت على طاولة الزعيم بعد اقل من اربع وعشرين ساعة، وانا الذي اعتبرتها واقعة عابرة لا تستحق الرواية، قلت ما شهدت وسمعت، فأمرني ابو عمار ان اذهب لاحضر هذه السيدة، فعلت وكانت بعد اقل من نصف ساعة في مكتبه جلست بعد حسن استقبال من الزعيم الخالد، وجلست معها فقال لها ابو عمار التالي " يا سيدتي مثلما انا الرمز الوطني لفلسطين، محمود درويش هو الرمز الثقافي ، مقامه من مقامي، ومقامي من مقامه، فلا يجوز التطاول عليه وربما انا اتحمل تطاولا واقبل به، ولكن لن اقبل تطاولا على الرمز الثقافي " احببت أن اروي لكم هذه الواقعة، لكي اشير الى ان فكر الوطنية الفلسطينية وثقافتها على هذا القدر من التقدير للأدب, وادراك اهميته المعرفية والثقافية القادرة دوما على ترسيخ الهوية الحضارية والوطنية, والاهم فان هذا الفكر وهذه الثقافة على قدر كبير من الفهم العميق لضرورات الرمزية، في دروب النضال والبناء معا، للرئيس ابو مازن مساهمة مماثلة ولافتة في هذا الاطار، وكان ينصت لدرويش اكثر مما ينصت لأي سياسي مهما  بلغ شأنه، وفي هذا الفكر، وهذه الثقاقة الحضارية تماما، على الرمزية الا تكون وطنية نضالية فقط، وانما ثقافية ايضا وبذات الدرجة التي تحتلها الرمزية الوطنية والنضالية.
ومحمود درويش قد احتل هذه المكانة الرمزية، لا  لأنه شاعرفلسطين الاكبر واحد اهم شعراء العربية بعد المتنبي فحسب، بل لأنه الايقونة التي تكثفت فيها على نحو ابداعي، السيرة الملحمية لفلسطين وقضيتها، وقد كتبت تطلعاتها بجماليات القصيدة  التي حملها درويش على التطور والحداثة بهويتها العربية وخصوصيتها الفلسطينية.
تسع سنوات مضت اذن على رحيل الشاعر، دون ان ترحل هذه المكانة الرمزية ولن ترحل، ليس لأن قصيدته ما زالت هي الاغنية الفلسطينية الاجمل والاجدى والاكثر حضورا فقط، وانما لأن فكر الوطنية الفلسطينية وثقافتها يواصلان تكريس هذه القيم والمفاهيم الانسانية والحضارية المتفتحة، في تاريخ النضال الوطني والانساني الفلسطيني .
على ان الرثاء يظل ضرورة لهدهدة القلب، تسع سنوات ونص الغياب ينوح على مقام البيات، حتى تعلق الشجن مريدا على جدران القلب، فيما نص القصيدة تائه في دروب الحسرة .
درويش مثلما قلت لماجد ابو شرار : صباح الخير يا ماجد ، قم اقرأ سورة العائد نقول لك في هذه الصبيحة والقدس قد قالت قولتها العظيمة : صباح الخير يا محمود قم اقرأ سورة الصمود، وانت من قال لنا  ماقلت لنا، وما زلت تقول .
رئيس التحرير 
محمود ابو الهيجاء