رحلة الحاج غازي.. تبدأ من نابس مرورا بعمان ثم بغداد والكويت

نابلس - وفا-  لم يغب عن ذاكرة الحاج غازي ذيب الحج محمد (79 عاما)، رغم صغر سنه آنذاك، مجريات وأحداث النكبة، عندما احتلت اسرائيل عام 1948 أكثر من 78% من أراضي فلسطين التاريخية، وهجرت أهلها، ليصبحوا فيما بعد لاجئين في موطنهم، تائهين، مشتتين في أصقاع الأرض، وبانتظار العودة في المحطة "المخيمات".

الحاج محمد الذي كان يعمل سائق باص منذ العام 1956، على خط نابلس، رام الله، القدس، عمان، بغداد، والكويت، ما زال يحفظ تلك المسافات عن ظهر قلب، ويعرف كم تستغرق بالساعات، قبل أن تقطع أوصال الضفة، وتحتلها اسرائيل بالكامل.

في قرية تلفيت جنوب نابلس، يظهر الكهل الحاج محمد، ويبدأ بالحديث عن ينابيع المياه إبان العهد التركي، والانتداب البريطاني، التي كانت تمر بالقرب من مدخل منزله، حسب ما سمعه، ويربط ذلك مع قصة اللاجئين، حينما نزحوا الى أرض خالية، تمر من قربها ينابع المياه، وهي اليوم تسمى مخيم بلاطة، ثم يجلس تحت شجرة التين، ويعود بالذكريات، عن رحلته التي قضاها ما بين العواصم العربية، ما لم تخنه الذاكرة.

ديفيد بن غوريون الذي كان يقود الحرب ضد الفلسطينيين، أعطى توصياته لجيشه، فقال "عليكم أن تضربوا بقوة، وبهدف تحطيم المدن العربية، وطرد سكانها منها، حتى يتمكن شعبنا القادم أن يحل محلهم".

منذ النكبة عانى شعبنا في كل تفاصيل حياته من ويلات الاحتلال، فبعد أن كان حرا في تنقله، وحله، وترحاله؛ لا قيود، ولا حواجز تقطعه عن العالم العربي، لم يعد بإمكانه السفر اليوم بين مدينة وأخرى في ما تبقى من فلسطين.

في الفترة ذاتها التي نشطت بها حافلات نقل الفلسطينيين، عملت القطارات على سكة الحجاز، التي ما زالت معالمها قائمة حتى اليوم في بعض محطات توقفها في الضفة الغربية المحتلة، إلى أن جاء الاحتلال، وحلَّ شركة قطارات فلسطين عمليا في عام 1948، بعد انسحاب بريطانيا، واستولى على سكة القطار التي استخدمها الإسرائيليون، فيما بعد، لبناء خط "بارليف"، بين فلسطين المحتلة، وجمهورية مصر العربية.

كان عمر الحاج محمد آنذاك يقارب العشر سنوات.

في تقرير صدر عن الجهاز المركزي الفلسطيني للإحصاء، يؤكد أن نكبة عام 1948 تمثلت باحتلال ما يزيد على ثلاثة أرباع مساحة فلسطين التاريخية، وتدمير 531 تجمعا سكانيا، وطرد وتشريد حوالي 85% من السكان الفلسطينيين.

الحاج محمد مثله مثل أي فلسطيني خسر حرية التنقل بعد نكبة العام 1948، ورغم أنه لم يعش تجربة اللجوء، إلا أنه بدأ يفهم الخسارة، ويحسها، من أول يوم عمل فيه كسائق للباص، ينقل الركاب بين مُدن عربية، وفلسطينية، انقطعت الطرق إليها تباعا؛ فقد كانت رحلته كسائق باص تبدأ من نابلس عند الساعة السابعة صباحا، ثم يتوجه الى رام الله، والقدس، ثم بغداد، والكويت مرورا بالعاصمة الأردنية عمان.

ويقول "عملت كسائق باص مرخص منذ العام 1956، وأذكر المناطق التي كنا ننقل اليها الركاب، فقد عملت 8 سنوات على خط الكويت، وكنت أسافر اليها أربع مرات بالشهر، وأعمل على خط  نابلس- رام الله- القدس- عمان- بغداد .

ويضيف "ننطلق من نابلس الساعة السابعة صباحا، ثم إلى رام الله، والقدس، ثم عمان، كنا ننهي الأوراق "المنافست"، وهو عبارة عن كشف للباص والركاب دون تعقيد، وعند الساعة الثانية  مساء  نغادر عمان، ونبقى نسير طوال الليل حتى الوصول إلى الرطبة 240 كم للحدود الأردنية العراقية، حتى الرمادي التي تبعد عن الرطبة 300 كم، وصولا الى بغداد، بعد السير مسافة 125 كم، ومن بغداد حتى صفوان آخر الحدود العراقية الكويتية، يعني السير مسافة 1850 كم.

ويتابع الحاج محمد" كنا نسير 1850 كم انطلاقا من فلسطين حتى الكويت، ومرات كنا نحن نختم أوراق الدخول والخروج دون تعقيد، ولكن الأمور بعد نكبة فلسطين، واحتلال اسرائيل لها، تغيرت، و"خربت الدنيا".

بين العامين 1948/ 1966 عُرضت قضية اللاجئين الفلسطينيين على جدول أعمال الأمم المتحدة، ولجانها خمسًا وثلاثين مرة فقط، وكانت الأمم المتحدة في كل مرة تؤكد على الحق المطلق لهؤلاء اللاجئين في العودة إلى ديارهم، كما كانت تؤكد باستمرار على أن السلام في الشرق الأوسط لن يتحقق بدون هذه العودة، حسب ما ذكره الكاتب عدنان السمان في كتابه "زمن التيه".

وتظهر معطيات الاحصاء، أن نسبة اللاجئين في فلسطين 42% من مجمل السكان الفلسطينيين المقيمين نهاية العام 2016، كما بلغ عدد اللاجئين المسجلين لدى وكالة الغوث في الأول من يناير للعام 2015، حوالي 5.59 مليون لاجئ فلسطيني.

ويعيش حوالي 29% من اللاجئين الفلسطينيين في 58 مخيما، تتوزع بواقع 10 مخيمات في الأردن، و9 مخيمات في سوريا، و12 مخيما في لبنان، و19 مخيما في الضفة الغربية، و8 مخيمات في قطاع غزة.