فن الكتابة القانونية

المحامي د.ايهاب عمرو

تعد الكتابة القانونية من أكثر أنواع الكتابة أهمية كون أن القانوني بشكل عام يتعين عليه تناول مواضيع قانونية ذات علاقة بمسائل ومشاكل مجتمعية بواسطة ربطها بالواقع المعاش. في سبيل ذلك، يتعين على القانوني عند تناول أي موضوع ذي بعد قانوني أن يربط ذلك الموضوع بالبعد التطبيقي "القضائي"، وإلا فإن تلك الكتابة ستكون نظرية بحتة يغلب عليها الطابع الوصفي ما يفقدها عنصري التشويق والإثارة، إضافة إلى أن ذلك يفقدها أهميتها المجتمعية والعملية في آن.

وتعد الكتابة القانونية فنا، مثل فن الإدعاء والمدافعة في ساحات المحاكم. وكتابة الأكاديمي الذي عمل في الحقل القضائي كمدعٍ عام "وكيل نيابة" أو قاض تختلف عن كتابة غيره، كون تلك الكتابات تكون ممزوجة بطابع عملي إضافة إلى البعد الأكاديمي.

على سبيل المثال، يلاحظ أن مؤلفات الأستاذ الدكتور عثمان التكروري تختلف عن غيرها من المؤلفات نظرا لقيامه بالعمل في قمة الجهاز القضائي النظامي لسنوات، تحديدا كعضو في محكمة النقض الموقرة. وبالنسبة لي، أحاول ما استطعت ترجمة الخبرات العملية التي قمت باكتسابها أثناء عملي في الجهاز القضائي كمدعٍ عام لسنوات في مؤلفاتي من أجل دمج البعد القانوني "الأكاديمي" بالبعد العملي "القضائي" ما يجعلها أكثر فائدة وفعالية وأهمية.

وفي هذا السياق، لا بد من الإشارة إلى أن الفكر القانوني ارستقراطي بطبيعته، وإلا بماذا نفسر قيام المحامين الإنجليز في فترة من الفترات بصد وإفشال كافة المحاولات المجتمعية لتبسيط اللغة القانونية؟

 ولا يعني ذلك بأي حال من الأحوال أن اللغة القانونية يجب أن تكون حكرا على من يعملون في الحقل القانوني أو القضائي دون معرفة باقي أفراد المجتمع بها، خصوصا في عصر تكنولوجيا المعلومات الذي نعيش وسهولة الحصول على المعلومات ما يشمل القانونية أيضا، وإنما المقصود ألا يتم استخدام لغة قانونية ركيكة من قبل المحامين عند الحديث مع زبائنهم "موكليهم"، أو من قبل القضاة أثناء نظر جلسات المحاكمة.

على سبيل المثال لا الحصر: يقوم بعض المحامين باستخدام لغة عامية أثناء الحديث مع موكليهم بخصوص مسائل قانونية ما يفقد اللغة القانونية بريقها. كذلك، يقوم بعض القضاة باستخدام عبارات غير صحيحة شكلاً أثناء نظر الجلسات كالقول مثلا، يقدم أو يعرض مرافعته، والأصح القول يبدي مرافعته.

ويلاحظ في بعض الكتابات القانونية في العالم العربي على كثرتها استخدام لغة يغلب عليها الطابع الوصفي دون إستخدام الأسلوب التحليلي لأحكام قضائية بشكل معمق. ويلاحظ كذلك عدم استخدام العبارات الصحيحة الخاصة بالحقل محل البحث نظراً لغياب التخصصية في بعض الأحيان، والممارسة العملية "القضائية" في أحيان أخرى، ما ينبغي معه التنبه لهذا النوع من الكتابات، خصوصا أن الطلبة والدارسين والقارئين بشكل عام، قد لا تكون لديهم المعرفة الكافية والخبرة للتمييز بين الغث والسمين من بين المؤلفين. ويحضرني في هذا السياق بحث قمت بتحكيمه سابقا قام مؤلفه باستخدام لغة تتعلق بحقل قانوني مختلف عن الحقل محل البحث ما أثار استغرابي الشديد، رغم أن موضوع البحث كان جديدا ومختلفا إلى حد كبير.

وثمة مشكلة أخرى ألاحظها في بعض الكتابات القانونية في العالم العربي، ما يشمل فلسطين أيضاً، وتتعلق بغياب المنهجية العلمية الواضحة والصحيحة الواجب اتباعها أثناء الكتابة القانونية. وذلك يعود بشكل أساسي إلى اهتمام المؤلفين بالجانب الموضوعي للبحث على حساب الجانب الشكلي على أهميته. من ذلك مثلاً، قيام أحد الأكاديميين بنشر مؤلف حول اتفاقية الأمم المتحدة بشأن عقود البيع الدولية للبضائع "اتفاقية فيينا لعام 1980" دون وجود فهرس للمحتويات.  إضافة إلى غياب المنهجية الواضحة والصحيحة من حيث قيامه بالمقارنة بين أنظمة قانونية ودول مختلفة بشكل عشوائي دون اتباع منهجية بحث علمي واضحة المعالم. وقيامه كذلك بإدراج هوامش خاصة بالتوثيق في كل جزئية تناولها المؤلف المذكور ما أفقده الجانب المتعلق بالأفكار الأصلية التي يجب أن تكون الغالبة في أي مؤلف قانوني.

ختاماً، لا بد من الإشارة إلى أهمية تحكيم المؤلفات قبل نشرها وذلك من أجل ضمان دقة وصحة المعلومات الواردة فيها، غير أنه لا بد من الإشارة هنا، وبحكم خبرتي الأكاديمية والعملية المتواضعة، أن بعض المؤلفات التي تم تحكيمها ونشرها لا ترقى للمستوى المطلوب وتشوب بعضها أخطاء موضوعية وشكلية ما ينبغي معه التنبه إلى تلك الجزئية أيضاً عند قراءة أية مؤلفات قانونية.