أسعار الخضراوات نار

سعر كيلو البندورة في رام الله بـ8 شواقل وتوقعات باستمرار ارتفاعها إلى نيسان المقبل
"تصوير" عصام الريماوي"

*البرد الشديد تسبب في نقص الإنتاج رغم المساحات الواسعة المزروعة بالخضار

*تجار يستوردون كميات من الأردن وتركيا لتوفير الاحتياجات وآخرون يصدرون لإسرائيل دون مراعاة حاجة السوق

* تاجر: ما تم استيراده من الأردن اقتصر على الخيار وبكميات لم تفلح في خفض الأسعار 

*مواطنون يهربون إلى الخضار المجففة والمجمدة لتوفير أطباق بأسعار زهيدة

 

حياة وسوق

نائل موسى

 

 مثل سائر المستهلكين حاله، تجول على بسطات سوق الخضار المركزي في مدينة البيرة، وافلح في شراء 2 كيلو ليمون بـ 6 شواقل ومثلها بصل وجزر، ومضى بما تبقى في جيبه من نقود قليلة ينشد مبتغاه في متاجر تبيع خضار مثلجة وحبوب مجففة– لم تسلم  أيضا من ارتفاع الأسعار، يطعم بها ثمانية أفواه الى حين يتبدل الحال، يقول المواطن جمال بزار بألم.

وأضاف: اشتريت ليمونا وبصلا وانا ذاهب لشراء عدس مجروش لغداء هذا اليوم، لدينا ستة أولاد وبنات، التقط رزقهم في الورش كعامل بناء بالمياومة، مقابل 80 شيقلا عن كل يوم عمل، والعمل متعلق بالحالة الجوية والشتاء البرد الذي يضيق علينا يبدو انه يسعد تجار يستغلونه لإشعال نار الأسعار دون رقيب او حسيب قال، وهو يرفع يديه للسماء شاكيا وراجيا اللطف بالعباد.

 

أسعار مجنونة

 وتابع بزار"يطلبون 8 شواقل ثمن كليو بندروة، و12 للكوسا، و6 للباذنجان، و5 للبطاطا البلدية. واوضح بزار ان هذه الأصناف لا غنى عنها في بيته مستور الحال، وقال: نعد من هذه الخضار أطباق يخني كاطباق رئيسية عوضا عن اللحوم، ماذا عساي افعل وانا بحاجة الى كيلو ونصف بندورة ليحصل كل منا على حبة يقضمها مع رغيف خبز على سبيل العشاء؟!.

 ويتحاشى بزار تعداد أصناف أخرى  تقع ضمن حساباته في اغلب أيام السنة في خانة الكماليات، حيث يعرض كيلو الفول الأخضر بـ 20 شيقلا، والفاصوليا والسبانخ والسلك بـ12، والفلفل الحار بـ 16، و7 للحلو، والثوم بين 20 و 25، والافوكادو بين 10 و13 تبعا للصنف والجودة والقرنبيط والملفوف بـ 10 شواقل للرأس الجيد، وهي أسعار تزيد بإضعاف عن معدل سعرها المعتاد، ومع ذلك ترتفع أكثر عند ابتياعها من متاجر متخصصة في بيع الخضار والفواكه الطارحة في محافظة رام الله والبيرة.

 

طبق الغداء في رام الله "غير"

ويثير ارتفاع الأسعار خصوص في رام الله والبيرة اكثر من شقيقتها محافظات الوطن حفيظة المواطن وغضبه خصوصا في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعاني منها اصلا بسبب ثقل ووطأة فواتير الخدمات الاساسية من كهرباء وماء وسكن وهاتف وانترنت، ورسوم وضرائب، وفوائد قروض، الى جانب خدمات الصحة والتعليم والمواصلات.

الموظفة سهاد فراح  في مؤسسة خاصة و لديها وزوجها الموظف في إحدى الوزارات  وهما من جنين ويقيمان في شقة مستأجرة في رام الله حيث مقر عملهما، ولديهما 5 أولاد جميعهم تلاميذ في المدرسة تقول: خططت  لغداء محاشي ساخنة لعطلة الجمعة، وهو اليوم الوحيد الذي نلتقي فيه جميعا على طعام الغداء غالبا، لكن أسعار الكوسا والباذنجان الصغير اللازم، تحول هذا الطبق البسيط التكاليف اساسا، الى وليمة باهظة وكادت تطيح به ولإنقاذ الوعد اكتفيت بكليو واحد من كل صنف. وأضافت: لا اعرف سببا او مبررا مقنعنـ التاجر يلقي بالمسؤولية على المزارع، والأخير يحملها للصقيع والرياح الشرقية التي ضربت مبكرا وأتلفت اغلب الزرع،  فيما الحكومة لا تحرك ساكنا  لتعويضهم  هناك حلقة دائما مفقودة.

وتابعت فراح "لكن ما اعلمه جيدا ان المستهلك مطالب بتسديد  فاتورة هذا وذاك من جيبه ونقوده الشحيحة، بغياب رقابة صريحة وفاعلة على الأسعار".

وترى فراح أن هناك استغلالا من قبل التجار في رام الله قائلة" انا مواطنة من جنين  وارى بام عينيّ المزارعين هناك يعرضون خضارهم  للمستهلكين بأسعار تقل بنسبة  تتراوح بين 50 و70% عما تعرض عليه هنا في أسواق رام الله والبيرة، والسؤال من يرفعها ولجَيب مَن يذهب هذا الفرق الكبير؟".

 

الخضار المجففة... بديلا

 اغلب المتسوقين في سوق الخضار المركزي في البيرة باتوا يبحثون عن بدائل، او يمتنعون عن شراء  بعض الأصناف  او شراء كميات قليلة سعيا وراء تدبر امر غذائهم.

المواطنة فيحاء زهور قدرت انه بخلاف مواسم واعوام سابقة تواصل الخضار الاحتفاظ بأسعار مرتفعة للشهر الثاني على التوالي، بوتيرة متفاوتة ولكنها تزيد في أحسن الأحوال عن ضعف السعر المعتاد لاغلب الأصناف.

وتابعت "في هذه الظروف نلجأ الى الخضار المجففة والمجمدة ونكثر من الأطباق التي تعتمد على الحبوب مثل العدس والحمص والفول والبازيلاء لكن الأخرى أصيبت أسعارها بعدوى الارتفاع الذي رحم حتى الآن الحمضيات وأنواع فاكهة أخرى وهو ارتفاع  أكده جهاز الإحصاء المركزي، مشيرا إلى ارتفاع أسعار الخضروات المجففة في الضفة بنحو 14%، والدرنيات بنحو 7%.

  

 تجار المفرق يشكون

 يدرك أقطاب معادلة العرض والطلب عند فرض الأسعار حقيقة ان الخضار سلعة أساسية وضرورية لا غنى عنها في كل بيت كغداء رئيس اغلب أيام الأسبوع، حيث تتراجع القدرة الشرائية عن توفير اللحوم بأنواعها الحمراء والبيضاء والأسماك الطازجة من جانب وانعدام الرقابة  الحقيقية  والاكتفاء بإشهار الأسعار بدل تحديد سوق يضبط من قبل الجهات المسؤولة أسوة بباقي السلع الغذائية الأساسية والمحروقات.

 البائع شادي ابو عواد من بلدة السموع  بمحافظة الخليل، يدير بسطة خضار في سوق البيرة "الحسبة" منذ سبع سنوات، يعزو سبب ارتفاع الاسعار الى الاحوال الجوية وتكرار المنخفضات الجوية وما يرافقها ويسبقها من رياح شرقية وصقيع ما اتلف العديد من المزروعات والمحاصيل خاصة البطاطا البلدية وأصناف اساسية اخرى. وقال "نحن مجبرون على بيعها  مثل ما نشتيرها بعد فرض هامش ربح يعوض عملنا وما ندفعه من رسوم  عنها وبدل تالف او غير قابل للبيع".

 وختم قائلا "في المحصلة نحن مثل المستهلك متضررون وان بدرجة اقل، ولسنا السبب في ارتفاع الأسعار التي توقع ان تبقى عند حودودها الحالية نحو اسبوعين اخرين لبعض الأصناف وعلى رأسها البندورة". 

 بائع المفرق فواز البطان من رام الله  وهو تاجر مخضرم في السوق ويعرف مسارب ودهاليز اسعاره، يحاول تبسيط  معضلة ارتفاع الاسعار بمثال عملي، ويقول اشتريت هذا الفلفل الحلو ومصدره مزارع من الشمال بثلاثة شواقل ونصف للكيلو والوزن يتضمن صندوق الكرتون، وبما فيه من ثمار قد تكون معطوبة او بحجم لا يقبل عليه المستهلك، ونحن في الحسبة ندفع 20 شيقلا اجرة للفرش الواحد "الفرش المعتمد هو مساحة عربة يد واحدة، و5 شواقل رسوم للبلدية  اضافة الى اجر يومي وهذا كله ما يحدد هامش الربح المفروض على كل صنف".

 واضاف "كنت ابيع 10 صناديق كوسا صغير الحجم للمحشي يوميا، واليوم احضرت 5 صناديق فقط في ظل ارتفاع الاسعار ويكاد يكون تسويقها حلما صعب التحقيق، وهذا يعني اننا نكسب ونحقق ارباحا اكثر عندما تكون الاسعار متواضعة او معقولة، من الظلم ان يحملنا المستهلك المسؤولية عن إفقاره وإثقال كأهلة برفع الأسعار.

 هذا الادعاء وتحميل المسؤولية للمزارع وتجار الجمله تفنده  ظواهر عدة  ابرزها  قيام باعة هم انفسهم اصحاب مزارع من محافظة رام الله والبيرة، بعرض كيلو السبانخ والسلك الذي لا تظهر على اوراقة اليانعة ايا من اعراض الاصابة بصقيع  بين 10 و12 شيقلا للكليو والزعتر بين 12 و15 شيقلا والفجل والخس بضعف سعره  فيما يواصلون رشه بالماء ليبقى يانعا مع احجام اغلب المتسوقين عن الشراء بهذه الاسعار.

 البائع فادي صلاح من رام الله لديه بسطة في الحسبة منذ 4 سنوات يقول: دائما نعاني من ارتفاع موسمي يستمر فترة من الوقت بين الدورات الزراعية او في ظل احوال جوية مؤثرة لكن هذا العام بدأ الغلاء مبكرا ودام اكثر بكثير من المعتاد ولا تلوح في الأفق القريب بارقة أمل بانخفاض ملموس وعدة بعض الأصناف الى معدل أسعارها المعتاد.

 ويغص وسط الحسبة القديمة حيث يتمركز عمل تجار الجملة باكدام كبيرة من صناديق الخضار واجى تتولى الرافعات الشوكية نقلها وتوزيعها على البسطات العامرة بمثلها، لتحدث بنفسها عن قلة الانتاج ونقص الإمدادات مقارنه مع الحاجة وحجم الطلب.

 

لتجار الجملة كلام

 اشرف حماد واحد من ابرز تجار الجملة في السوق متى تعلق الامر خصوصا بالخضار يحمل الجو السبب  الاساسي،  مشيرا الى اسباب اخرى تلعب دورا مؤثرا.

وقال اسهمت التغيرات المناخية من تأخر للأمطار وما رافقه من ارتفاع الحراة اولا،  ودهم البرد وموجات الصقيع مبكرًا هذا العام  في ضرب المزارع وتكبيده خسائر يسعون الى تعويضها  عبر الاسعار في ظل غياب الدعم الحكومي وقله التعويض.

 وبشأن مصادره الشخصية  لتوفير البضاعة لزبائنه من تجار المفرق، قال اشرف حماد "نبحث عن ضالتنا في مزارع اريحا والاغوار، وطوباس وطولكرم والفارعة".

 واضاف: نستورد هذا العام  خضراوات من الاردن وتركيا لتوفير الاحتياجات، فيما يلهث آخرون وراء تصدير الأصناف الملائمة الى اسرائيل والخارج دون اعتبار حاجة السوق ومصلحة المواطن.

 

البرد الشديد تسبب في نقص الإنتاج

من جانبه، قال رئيس مجلس الخضار الفلسطيني شاهر الجندي  "تسبب البرد الشديد في كانون الأول والثاني في نقص الإنتاج رغم المساحات الواسعة المزروعة بالخضار"، مرجحا ان تبقى الأسعار مرتفعة حتى منتصف شباط المقبل مع بدء تحسن الطقس وميله للدفء.

وقال ان الصقيع ضرب خصوصا حقول البطاطا وهو مكشوف وعرضه للعوامل الجوية ما تسبب في ارتفاع أسعارها الى حدود 40 شيقلا للصندوق، رغم المخزون  المتوفر في الثلاجات، وبدء حصاد البطاطا المزروعة في التراب.

 وبخصوص البندورة قال "لدينا مساحات مزروعة كبيرة  في مختلف المناطق وهي محمية واقل عرضة لعوامل المناخ والبرد"، لافتا الى وجود 1400 دونم في طمون، و1200 شرق طوباس، و400 في فروش بيت دجن، ومساحات متفرقة ومهمة في قلقيلية وفي طولكرم خصوصا.

 واوضح ان ما تم استيراده من الأردن من الخضار اقتصر أساسا على الخيار، وبكميات لم تفلح في خفض الأسعار  التي بقيت في حدود مرتفعة.

واوضح الخبير الزراعي المهندس فارس الجابي اثر موجه البرد وقال انها ادت الى خفض كميات الانتاج بنحو ملموس وخصوصا القرعيات التي اتلف كثير منها واثر عليها على نحو اكثر الصقيع ما تسبب بزيادة الطلب على العرض وبالتالي زيادة الاسعار.

وقال "تدني درجات الحرارة في مناطق انتاج الخضار كافة ادت  الى تاثر الازهار والعقد ونمو الثمار وهذا امر قلب الحسابات المستندة الى المساحات المزروعة التي كان انتاجها المتعافي سيجعل كيلو البندورة يباع بشيقل واحد.

 وأوضح الجابي ان الاردن وإسرائيل تعانيان من ذات المشكلة والحديث عن استيراد خضار منها او من تركيا يعني انه تم ذلك عبر تجار اسرائيليين استوردوها مباشرة وتخلصوا من البواقي والفائض في السوق الفلسطيني.

ومع الحديث عن تلف مزارع بطاطا وإحجام مزارعين عن زراعة البندورة وأنواع أخرى بسبب عوامل الطقس توقع محمود حماد وهو ايضا تاجر جملة بقاء الأسعار مرتفعة عن أسعارها المعتادة او قريبة منها حتى نهاية شباط المقبل فيما رجح ان تواصل البندورة الارتفاع او تحافظ على سعرها المرتفع الحالي حتى نسيان المقبل بانتظار بدء إنتاج مزارع جديدة. 

 توقعات تزيد من قلق وتذمر مستهلكين، أعينهم البصيرة ترى الأكداس مليئة بأصناف يانعة تشتهيها النفس،  فيما تخفق  أيدي قصرها جنون الأسعار في تناولها!.