كلهم مشبوهون

يديعوت – ناحوم برنياع

 

كلهم مشبوهون: مشبوه رئيس الوزراء، الذي حسب التقارير بادر الى اللقاءات؛ مشبوه صاحب الامتياز، الذي حسب التقارير تفاوض ووعد؛ مشبوه رئيس المكتب الذي شارك وسجل؛ مشبوه المستشار القانوني للحكومة، الذي يدير لعبة القمار حول التحقيقات في ملفات رئيس الورزاء بطرق ملتوية. وأنا أيضا مشبوه، بحكم الشبهة، ليس فقط لأن صاحب الامتياز موضع الحديث هو من يقدم خبزي، بل أيضا لأن لدي تقدير غريزي، الا اذا ثبت العكس لمن بدلا من الغرق في الرحمة الذاتية والصراخ أكلوا لي، شربوا لي، يكافح بأسنانه على رزقه ورزق عامليه. لذات السبب اقدر أيضا صاحب امتياز "هآرتس"، عاموس شوكين.

لا أدري ماذا حصل في المحادثات بين بنيامين نتنياهو وأرنون موزيس، التي سجلها بالسر آري هارو، الذي كان في حينه مدير مكتب رئيس الوزراء. أما المستشار القانوني للحكومة افيحاي مندلبليت كان يحسن صنعا لو أمر الشرطة بتحرير التسجيلات للبث. هكذا كنا سنعرف ماذا قيل فيها وكذا كيف قيل وما هو المعنى الجماهيري. فبعد أن تم التحقيق مع المشاركين في المحادثات بالتحذير، انتهى المعنى الاساس وراء إبقائها في السر. ناهيك عن أنه في الواقع يتسرب المضمون قطرة قطرة وحتى للصحفيين الذي ينشرون تفاصيل صاخبة ليس لديهم فكرة اذا كان ما حصلوا عليه حقيقة أم كذبة. فلتبث التسجيلات، لنعرف عما نتحدث.

ما يشغل البال هنا ليس مجرد اللقاءات: فاللقاءات بين أصحاب الامتياز ورؤساء الوزراء كانت دوما، حتى ثنائيا ايضا. خسارة أن نتنياهو لا يعقد لقاءات كهذه في أوقات اكثر تقاربا. ما يشغل البال هو أن هذه اللقاءات تمت في ذروة فترة انتقدت فيها الصحيفة نتنياهو بشدة، ونتنياهو وصف صاحب امتيازها كوحش متعدد الرؤوس يسيطر سرا بوسائل خفية، على كل منظومات الحكم. سوبرمان من جهة، ولاكس لوتر من جهة اخرى؛ هاري بوتر من جهة وفلتمورت من جهة اخرى. من الصعب أن نتصور نتنياهو وموزيس يجندان في ذاك التوقيت مدى الثقة اللازمة للصفقة، وبالتأكيد ليس لصفقة من شأنها ان تورطهما في عمل جنائي.

ما يشغل البال اكثر هي التوقعات من الطرفين – على افتراض أن في ما نشر نواة من الحقيقة. رئيس الوزراء يمكنه أن يشكو على مسمع من صاحب الامتياز على تقارير تنشر في صحيفته، وان يطالب بالتعديل، ويثور ضد المراسلين. لا يمكنه ان يملي خطا ما. في تركيا ربما نعم – في "يديعوت" لا. وصاحب الامتياز لا يمكنه أن يتعهد "بتقييد" الكُتّاب في صحيفته – هذا لن يحصل. ليس في الحياة الحقيقية. كما أنه لا يمكنه أن يتعهد، كما يفهم من الاقتباس الذي جلبه أمس (الأول) غي بيلغ في القناة الثانية ، بان يحرص على ابقاء نتنياهو في مكتبه. ما قيل في مكتب رئيس الوزراء، اذا كان قيل، يبقى في مكتب رئيس الوزراء.

إن الانباء المنشورة صعبة على الهضم للمحررين والمراسلين في الصحيفة، الذين يؤدون مهامهم جيدا، دون روع ودون تحيز. وهي قاسية ايضا لي. ومع ذلك، يمكنني فقط أن امتدح عمل زملائنا: في هذه المهنة لا توجد منافع ولا توجد تنزيلات. هكذا ينبغي أن يكون.

للقراء الذين تساءلوا هذا الاسبوع، خطيا وشفويا، لماذا لم أعرب عن رأيي في هذه القضية؟ قلت اني لا اعرف شيئا غير ما نشر. فقالوا لي، هذا لم يمنعك من الاعراب عن الرأي في قضايا اخرى. كانوا محقين، مع تحفظ واحد: القارئ يفترض بأنه عندما يتحدث صحفيا ما عن مكان عمله هو يعرف أكثر مما يعرف بشكل عام. هذا ليس الواقع هذه المرة: في هذه القضية كل من خضع للتحقيق بالتحذير ممنوع من الحديث عن تحقيقه، خشية التشويش. لو كنت توجهت الى أرنون موزيس، ولم أتوجه، ما كنت لأحصل على جواب.

نظام العمل الذي تبناه أرنون موزيس نحوي، ولأفضل علمي نحو آخرين، بسيط: فهو لا يهاتف. ولا أنا ايضا. 28 سنة وأنا اعمل في الصحيفة، وحتى اليوم لم يعرب على مسمعي رأيه في كلمة واحدة كتبتها، لم يطلب شطب شيء ولم يقترح اضافة شيء. وأنا ممنون له بالشكر. ليس كل صاحب امتياز كان يتصرف مثله. الصحيفة يمكنها، بالطبع، أن تستأجر خدمات كُتّاب آخرين، مختلفي النهج والرأي. لفرحي، الصحيفة تفعل هذا. فكلما كثرت الآراء وكلما كثر الكُتّاب، هكذا افضل.

والآن، بعد أن أوضحت نصيبي في هذه القصة، نصل الى الامر الاساس. للتحقيق في الملف 2000 توجد نتيجة واحدة ايجابية: فقد أوضح للجميع بأن المشروع المسمى "اسرائيل اليوم" ليس عملا تجاريا مشروعا بل هدية محظورة. عندما يدير نتنياهو مفاوضات عن الصحيفة اليومية فانه يعترف، عمليا، بان هذه ذخر يتحكم بها. نحن نكثر من السماع في الأيام الاخيرة عن المبالغ التي انفقت في خط الهدايا السري الذي اقامه ارنون ميلتشن وآخرون من أجل نتنياهو وعائلته. المبالغ مثيرة للانطباع: كان تقرير عن 300 ألف شيقل، كان تقرير ايضا عن 400 ألف. كل هذه المبالغ هي جزرة قزمة مقابل الهدية المحظورة التي تلقاها نتنياهو من رب مال القمار، شيلدون أدلسون. فحسب نبأ في "هآرتس" أمس (الأول)، خسر أدلسون على الصحيفة في سبع سنواتها الاولى 730 مليون شيقكل – نحو 100 مليون شيقل في السنة.

فتخيلوا ما الذي يمكن عمله بهذه الهدية: حل مرة واحدة والى الابد مشكلة العجوز في الرواق؛ اقامة جامعة في الخليل؛ اخراج آلاف الاسرائيليين من دائرة الفقر؛ كثير جدا من المال، فقط من أجل تنظيم عبادة شخصية لعائلة واحدة والتخريب على الصحافة الحرة في اسرائيل. أليست هذه خسارة؟

من حق أدلسون، بالطبع، أن يفعل بأموال القمار ما يحلو له. ولكن نتنياهو يتلقى راتبه من الدولة: توجد هدايا محظور عليه تلقيها. فما بالك انه كان مقابل ظاهر: اثناء الصراع على صفقة الغاز، تلقى نتنياهو رسالة من ادلسون حثه فيها على التوافق مع شركة "نوبل إنيرجي". وقد توافق نتنياهو جدا.

عندما قامت الصحيفة اليومية، قبل 9 سنوات، فضل حماة الحمى على أنواعهم، رجال النيابة العامة، موظفو المالية، مراقب الدولة، اعضاء الكنيست، دس رؤوسهم في الرمل. كتبت بأن ليس لمثل هذا المنتج مثيل اقتصادي ولا يمكن أن يكون له مثيل اقتصادي. فقد رأوا اغراق السوق، وأسعار الاعلانات ولم يفعلوا شيئا. حقيقة أن "هآرتس"، الصحيفة التي لها تأثير كبير على جهاز القضاء وعلى واضعي الأنظمة الادارية، طبعت الصحيفة اليومية هذه في مطابعها، وساهمت في الطمس. ما حسم، ربما، كان حجم الوقاحة: حماة الحمى في الحكومة يتصدون كيفما اتفق للهدايا الصغيرة، ولكن ليس للهدايا بهذا الحجم.

هذا الاسبوع، عندما احتاج نتنياهو لموصي الاستقامة في قضية الهدايا، جند للمساعدة ألن درشوفيتس، محام يهودي أميركي، شرح بأن كل شيء على ما يرام. كل شيء قانوني، كل شيء رائع. في مقابلة منحها للقناة 10 من نيويورك، عرض كـ "مقرب" من نتنياهو. وشطبت من التعريف حقيقة أن درشوفيتس استأجره قبل نحو سنة شيلدون أدلسون كي يدافع عنه في الدعوى التي اقيمت ضده في لاس فيغاس. عالم صغير.

وملاحظة هامشية اخرى في القضية. عندما جرى جدال في الكنيست على القانون الذي حاول الزام "اسرائيل اليوم" بالمنافسة مع صحف أخرى، صوتت رئيسة ميرتس، زهافا غلئون، ضد القانون. تصويتها فاجأني. اعتقدت أن غلئون ستفهم الضرر الذي ستلحقه هذه الهدية الساحقة لقوة ولمجرد وجود اللعبة الديمقراطية. كيف ستعيش ميرتس في دولة ليس فيها صحافة حرة، قوية ونقدية؟ ولكن يتبين أنه من الاسهل الترويج ضد السيجار.