سؤال عالماشي - كبوتشي الذي سار على خطى المسيح الثائر

موفق مطر

هيلاريون كبوتشي عربي سوري، جسد لنا معنى أن كون المرء مؤمنا، ومؤتمنا على ثقافة وقلوب الناس، ثائر بقلب وعقل متدين، لكنه لم يستخدم الدين ولم يسيسه انتمى لحركة فتح التي رآها حركة تحرر وطنية قومية انسانية، علمانية تجمع المؤمنين بالحرية رغم تنوع مشاربهم الروحية العقائدية. شعر بوجوده وقيمته وذاته في حركة فتح، حيث وجد فيها التجانس والمشاركة،  وتجسدت في صفوفها افكاره  التحررية.

هو من بلاد الشام، سوريا الكبرى، من سلالة أمة عمرت هذه البلاد بايمانها بقدسية الأوطان، كبوتشي من أمة موجودة على هذه الأرض منذ اول إشراقة سلام للشمس على الأرض،  منذ الفجر الأول للتاريخ، هو العربي السوري الفلسطيني الوطني المسيحي، الثائر الحر.

 بعد وعد بلفور بخمس سنوات اي في العام 1922 ولد كبوجي في مدينة حلب شمال سوريا، وفي العام الذي شهد انطلاقة الثورة الفلسطينية، قدر لهذا المؤمن ان يكون مطرانا للقدس في سنة 1965 وكيلا بيطريركيا للروم الملكيين الكاثوليك، في المدينة المقدسة، وبعد أقل من سنتين احتل الجيش الاسرائيلي القدس في 7 حزيران/ يونيو1967 ورأى بأم عينه سباق دولة الاحتلال مع الزمن لتهويدها.

تواصل كبوتشي مع القائد في حركة فتح والمسؤول عن قطاع الأرض المحتلة القائد خليل الوزير (أبو جهاد) وكانت بصماته حاضرة في ميدان العمل السري في الأراضي الفلسطينية، كان يقابل ابو جهاد سرا، ويبحثان كيفية إدارة الصراع، مع الاحتلال، خاصة ان تجربة المطران ما بين العملين الكفاحي العسكري والسلمي ثرية.

استطاع كبوتشي التوفيق بين ايمانه بمبادئ الكنيسة الداعية إلى السلام وايمانه بمبادئ وأهداف الكفاح المسلح التي طرحتها وجسدتها عمليا حركة فتح بالعمل الفدائي؟ فهو طيب الله ثراه، وجعل الفردوس الأعلى جنة الخلود لروحه الطاهرة فهو القائل: الكنيسة لا تمنعني من النضال، مستشهدا بتلاميذ المسيح (متا، مرقص، بولس، يوحنا)، فهؤلاء - والكلام لكبوتشي - كانوا يناضلون إلى جانبه، ويتعذبون، وأنا أتعذب من أجل الشعب الفلسطيني أنظر الى الشهيد الفلسطيني الأول يسوع المسيح كيف عذبوه، وصلبوه، وقتلوه، انني صاحب قضية عادلة، لم أقم بعمل إرهابي، نحن مقاومة مشروعة، من أجل استرجاع الحقوق للشعب، وهذا الحق مكفول بالقانون والدين، وأنا كمؤمن بيسوع، مؤمن بالديانات، مؤمن بالشعب الفلسطيني المشرد، من حقي الدفاع عن عدالة القضية، وحق اللاجئين، الذين يجب أن يعودوا إلى ديارهم.

ربط كبوتشي بين المقاومة والدين، وفلسفته ان المسيح عندما صلب، ارتبط بالأرض، والأرض ارتبطت بالقبر، والقيام من القبر ارتبط بالسماء، والسماء هي الحرية، وهذا الشعب الفلسطيني يجب أن يكون حرا، ويجب أن يتحقق حلمه في قيام دولته، في الاستقلال، ويجب أن تكون القدس عربية، وكان يتحدث عن القدس بنفس عروبي، وانها للجميع، وكان حريصا على التفريق بين اليهودية كعقيدة ودولة الاحتلال.

جسد كبوتشي مبدأ المحبة والتسامح  ولم يجد  بديلا عن العدالة، وكان يسير على خطى المعذب الأول السيد المسيح، الذي احتمل الآلام من أجل السلام للناس، وافتداهم بعذاباته، فهو في المعتقل كان يفتدي الشعب والأمة والإنسانية، وينقل عنه الدكتور حنا عيسى انه كان حافظا لآيات من القرآن، ودارسا للفقة الإسلامي، والمذاهب، ويتحدث عن القدس الشريف، ومسرى النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

كبوتشي انسان،  شخصية تحررية، مطران برؤيا تقدمية،  وحدوي وطني وعربي وشعاره الدائم: لا بد أن نكون جميعاً في بوتقه واحدة هدفنا تحرير القدس، وتحرير فلسطين.

قلده الرئيس الانسان، رئيس السلام رئيس دولة فلسطين أبو مازن وسام الشرف من الدرجة الأولى، وسام فلسطين الأعلى، تقديراً لنضاله وكفاحه، من أجل تثبيت وتأكيد وتعزيز عروبة هذه الأرض المقدسة.

وكرمته جمهورية السودان، بإصدار طابع بريدي يحمل صورته واسمه، بعد اعتقاله في العام 1974 والحكم عليه 14 عاما قضى منها 4 سنوات حتى نال بعض حريته اثر تدخل الفاتيكان، ولم ينلها كلها لأن سلطات الاحتلال ابعدته الى روما. 

لم يندم المطران المناضل،  ذو الروح الانسانية على انتمائه لحركة فتح منذ عام 1958، وتداوله الأفكار مع القائد أبو جهاد، ولا على نقل السلاح بسيارته للفدائيين، فمن سكنت القدس في قلبه وعقله لا يندم ابدا حتى لو تألم.

المطران كبوتشي نموذج المؤمن المناضل ضد العصبية، والتعصب، والتطرف، كان يعني اندماج رجل الدين بالثورة التحرك ضد الغزاة، والطغاة، وليس اخذها كوسيلة للتطرف، كان معتدلا، وله قول مأثور: "ان الاعتدال يزيد الحياة جمالا".

اوصى كبوتشي بالتعليم باعتباره صمام الأمان فالبندقية والقلم عنده متساويان في النضال، أما الإعلام فقد قال فيه: انه كالسلاح، إن لم تستخدمه بحكمة يقتلك.

كبوتشي مفكر مقاوم وثائر وطني لم يستسلم للمحتلين كان يتحدث عن الوطن كثائر ومقاوم  ورمز وطني وعربي وأممي كان مدركا لمكانة المواطنين المسيحيين في البلاد العربية فهو القائل: "القضية الفلسطينية عادلة مرتبطة بالشرق والغرب، ونحن مسيحيو الشرق كالجسر الرابط بين بين الشرق  بالغرب".

آمن المطران هيلاريون كبوتشي بحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني وبقيام دولة فلسطينية على حدود الرابع من حزيران 1967 بعاصمتها القدس الشرقية وحل قضية اللاجئين كحل عادل وفق قرارات الشرعية الدولية، وهذا الموقف ينسجم مع قواعد القانون الدولي، حيث كان يتبنى موقف الفاتيكان ويقول دائما: يجب تطبيق قرارات الشرعية الدولية المتعلقة بالقضية الفلسطينية.

ارتقت روح المطران كبوتشي الى ربها وبقيت بيننا روحه الوطنية القومية الانسانية، بقيت أسفار الايمان بالعدالة التي انتصر فعلا وليس قولا وحسب، فأصبح رمز الانتصار العربي والانساني والروحي لفلسطين، جهر بالحق وتحمل الآلام، وسار على خطى المسيح في تحرير أمة لانسان من الظالمين.

يفخر شعب فلسطين برمزين عربيين من سوريا هما المطران هيلاريون كبوتشي والشيخ عز الدين القسام كانا وسيبقيان ملهمان لأجيال حاضرة وقادمة معاني وحدة مصير الأمة العربية وثقافتها ومركز قضاياها،  ومنارتان للوحدة الانسانية العربية والعلاقة الطبيعية بين أبناء الأمة.

جسدا العلاقة الأبدية بين الفكر والايمان والسلوك والعمل، فرسما مع المناضلين العرب والفلسطينيين الذين قضوا على درب الحرية لشعب فلسطين ملامح خارطتها الوطنية العربية التحررية الديمقراطية التقدمية، وأكدا ان القدس مدينة الله والمؤمنين بالحرية والمحبة والسلام.