عاجل

الرئيسية » ثقافة » عناوين الأخبار » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 26 تشرين الأول 2015

(فيديو) مدريد: المدينة التي تنام باكرًا وتستيقظ قبل الشمس (3)

الحياة الجديدة- رحمة حجة- كمثل الأيام الثلاثة الماضية التي استيقظتها في مدريد، أستيقظ في هذا اليوم الأخير لي في هذه المدينة الأنيقة، تمام السابعة والنصف، والشمس لم تشرق بعد، أنظر للحافلات والمركبات الخاصة والتاكسيات وغيرها من وسائل النقل تملأ الشوارع، إذ حان وقتُ العمل. بينما السماء تشبه الساعة السادسة إلا ربع في فلسطين فجر يوم أيلولي عادي، أراقب هذه الحركة المُنعشة للصباح وما إن تشرق الشمس قرابة الثامنة صباحًا حتى أكون تجهزتُ للفطور الأخير في فندق "أوروستار مدريد تَوَر".

ولأنه لا بد من بعض الهدايا، كان علي الذهاب باكرًا للتسوق، وباكرًا بتوقيت أسواق مدريد يعني بين الساعة العاشرة والحادية عشرة صباحًا، كما تُغلق أبوابها تمام العاشرة مساءً، وتتوقف الحركة في المدينة بذات التوقيت أيضًا، ولا يظلّ مفتوحًا سوى المقاهي والمطاعم بينما يتلاشى الوجود الآدمي في الشوارع، حتى في مركز المدينة "Sol" إلا من بعض حراك السيّاح في بعض المقاهي والرقص والموسيقى من محترفي "الفلامينغو" في ساحة "بوابة الشمس" أو "بلازا مايور" القريبة منها.

"بدلات وفيسبا"

في الطريق إلى السوق، يبدو ملعب "البرنابيو" لكرة القدم، قريبًا جدًا وأيضًا بعيدًا، إذ لم أجد الوقت لزيارته، وأنا في الحافلة الآن، أكتفي بالنظر إليه.

والدراجات النارية وسيلة تنقل دارجة جدًا في مدريد، وهناك من يؤجّرها أيضًا، حتى يبدو الأمر عاديًا جدًا، حين ترى موظفين يرتدون بدلًا رسمية وموظفات يرتدين أطقم رسمية قد تكون قطعها السفلية تنانير قصيرة، يقودون الدراجات ويوقفونها بجانب المؤسسات أو الشركات التي يعملون بها، حيث مواقف خاصة لها.

قليلة هي الهدايا التي أرغب بشرائها وكثيرة هي المقاصد وقد تكون بعيدة، ومغرٍ هو التجوال في السوق، فكلّ متجر يدلّك على جاره وكأنه يقول لك "لا تكتفِ"، وكما متاجر الذكارات فإن الأسعار متفاوتة، قد تجد واحدًا أرخص قطعة فيه 100 يورو وآخر 25 يورو، وفي ذات المتجر قد تجد السعرين، كما أن الماركات الإسبانية في الملابس والأحذية أسعارها أقل من الماركات الأجنبية الأخرى على الأقل التي رأيتها )، إلا في الصناعات اليدوية تكون أسعارها سياحية (شال فلامينغو 75 يورو وحقيبة بـ 79 يورو) وهذه أسعار أولية تفاجئك في متاجر تبيع فقط البضائع السياحية، كما في إكسسوارات "تيرا" اليدوية، التي تبدأ بـ(7) يورو وقد تصل إلى (35) يورو ثمنًا لعقد متعدد الطبقات، والمراوح المصنوعة في إسبانيا على سبيل المثال وهي شهيرة في محال التذكارات، تتراوح أسعارها بين (35 و45) يورو، بينما المصنوعة في الصين يبدأ سعرها من يورو واحد حتى (5) يورو حدًا أقصى، كما تجدر الإشارة إلى وجود محل يبيع حقائب نسائية من دون أي نقشة سوى "اللوجو" للشركة الإسبانية، بألوان محدودة وأحجام صغيرة ومتوسطة، يتجاوز سعر الواحدة منهن الألف يورو، حين سمعت من البائع سعر 1195 يورو، قلت له "من الجيد أنني رأيتها؛ هذا يكفيني" ونتبادل الضحك. وأظن أن السائح يكفيه 200 يورو ليشتري هديّة ذات قيمة لنفسه ولأقرب الناس إليه، وهدايا أخرى مُرضية ومناسبة للأصدقاء والمقربين.

ولا بدّ من الإشارة هنا إلى أن يوم الأحد والعطل الرسمية، في مدريد، تشهد فتح سوق عام يُدعى " El Rastro" يُباع فيه كل شيء من بضائع جديدة ومستعملة و"أنتيكس"، وبأسعار أقل من الموجودة في السوق اليومي، ويجتذب الكثير من السيّاح، لكن للأسف لم تُتح لنا الفرصة لأننا وصلنا المدينة الاثنين وغادرناها الجمعة.

وفي التسوق أكتشف أماكن جديدة وأقارنها بجولات الأمس، ثم يخطرني أن أعود إلى ساحة "بوابة الشمس" القريبة من المترو، وهناك أكتشف محالّ جديدة وشوارع أخرى غير التي عبرتها سابقًا، وأفكر "ليتني أملك الوقت"، بينما الساعة في هاتفي تبدأ العدّ العكسي للرحيل.

العَودُ أحمدُ

في مطار "باراخاس" أمشي وتنكسر يد الحقيبة التي أجرّها خلفي، ويدي على قلبي بأنّي تأخرت عن موعد الطائرة، لأنني أساسًا تأخرت عن موعدي مع الوفد الفلسطيني قبل ساعتين؛ إذ انتظرت في محطة خطأ للحافلة التي ستقلني إلى الفندق، لأستقل المترو بعدها وأختار صدفًا أسماء المناطق الصحيحة التي يجب أن أعبرها، حتى وصلت متأخرة إلى المحطة المركزية، التي مشيت منها إلى الفندق بأقصى سُرعة أملكها، حتى أنني تجاوزتُ إشارات المرور للمُشاة.

ووصلتُ المطار بتاكسي مقابل "30 يورو" مقابل (20 دقيقة) وهو سعر محدد لا يزيد أو يقل، وإذا حصل ولم تكن تعرف الأجرة، تسأل السائق ليؤشر بيده إلى ورقة معلقة كتب عليها "30" وينبس كلمتين فقط "نو إنجليس No Inglés" تفاديًا لـ"المفاصلة" على ما يبدو.

وفي الاستراحة التي امتدت نحو ساعتين قبل مغادرة مدريد، التي اكتشفتُ فيها أنني مُصابَةٌ بالرشح "يعني مش وقته" كان من الصعب التجوال بحريّة أكثر، لكنني خرجتُ بانطباع عن السوق الحرة في "باراخاس" بأنها تضم بضائع أقل بأسعارها من مطاري "الملكة علياء" الأردني و"أتاتورك" التركي.

الوقت مُتاح للتفكير أكثر. وأضيفُ إحداثياتٍ جديدة لقناعتي بأن لا مكان لـ"الصُدفة" في الحياة، بل إنه "القَدَر" وقدِري أنني أتيتُ مدريد، لأرى أول ما أرى تاريخ يوم ميلادي حين ختم جوازات السفر، وألتقي بالإعلامية الأردنية- الفلسطينية محاسن الإمام، وجذورها مقدسية، تحدّثني عن بيت العائلة في القدس الذي تتذكّره بشيء من الحزن والحنين والاشتياق، إذ كانت تضع خاتمًا في إصبعها من تصميم المصرية "عزة فهمي" وعرفته لأنني من متابعي هذه المصممة وأحب كل ما تصنعه، كما أن الكلمة المكتوبة على الخاتم بالعربية "رحمة". بالإضافة إلى تعرّفي بالوزيرة الأردنية السابقة أسمى خضر، التي تدير جمعية نسوية حاليًا، وقالت لي بابتسامة إن الجمعية قامت بمتابعة قضية تغيير اسم لفتاة ظلمها الأهل باسمها ليصبح بعد نجاح القضية "رحمة"، وأصاب أنا بدهشة القدَر كالعادة، وأضحك من قلبي.

 أتذكّر العوائق التي واجهتني في التقديم لـ"الفيزا" وأبكتني لا لأنها غير قابلة للحل بل لأنني حييتُ زمنًا أصاب برعب ضياع فرصة السفر منّي، لأنني مررتُ بتجارب سعيتُ فيها لأسفار عديدة وبذلتُ جهدًا لنيلها لكنها لم تكتمل فظلّت غصّة عالقة في حلقي. وأصبحُ قَدريّةً أكثر من السابق لأنني أدرك أن هذه الفرصة التي جاءتني من دون تخطيط -رغم كل شيء- كانت لي، وما زال عنّي سابقًا كان قدَرًا لسواي.

 في العودة لا مقعد محاذٍ للنافذة فقط، إنما ثلاثة مقاعد فارغة بأكملها لي في الطائرة، حيث قلدتُ سواي من المسافرين، وصنعتُ منها سريرًا، ونمت مستسلمة للتعب والمرض، فالسفر ليل والوصول إلى عمّان فجر، إذ لا ضوء يُثنينا عن النوم، بينما في المسافة بين تركيا والأردن، أعود لفيلم "لما شفتك" الفلسطيني، ويؤثر بي كثيرًا، ويُبكيني أكثر، ولا أعلم السبب، هل هو فلسطين، أم حاجتنا الدائمة لمبرر مُقنع للبُكاء، لكنه بمعايير ذوقي في الأفلام رائع، ويستحق المشاهدة.