عاجل

الرئيسية » شؤون اسرائيلية »
تاريخ النشر: 26 تشرين الأول 2015

عرف رابين ان القائد ليس لديه الوقت لتأجيل الحسم - معاريف

بقلم: شمعون بيريس

بتاريخ 13 تموز 1992 عرض اسحق رابين امام الكنيست الـ 13 حكومته الثانية قائلا: "اعضاء الكنيست ارجو أن تسجلوا امامكم ان هذه الحكومة مصممة على بذل كافة الجهود من أجل الامن القومي والشخصي ومن أجل السلام ومنع الحرب ومن اجل القضاء على البطالة ومن اجل الهجرة والاستيعاب ومن اجل الازدهار الاقتصادي وتعزيز الاسس الديمقراطية وسلطة القانون ومن أجل ضمان المساواة لجميع المواطنين وحقوق الانسان". هكذا فكر، هكذا قال، هكذا فعل.

لم يكن اسحق مستجدا واخترت الحديث عن حقبته الثانية كرئيس حكومة لاننا عرفنا شخصيته كقائد سياسي وقائد عسكري عندما كان قائدا للاركان في حرب الايام الستة، وخلال وجوده كسفير في واشنطن ومناصبه الاخرى كقائد في البلماخ وعضو في الحكومة.  اسحق القائد كان يحمل دوما الحلم وكان شخصية فذة حتى اثناء الحرب وفي لحظاتها الصعبة. لقد سحب الكثيرين لكنه لم ينجر بسبب الهتاف والتصفيق او ينسحب بسبب الاهانة التي كانت مقرونة بالخطر على حياته.

لقد عرف ان جيراننا العرب لا يريدون دولة يهودية. وعرف أن الصحف المصرية والاردنية ووسائل الاعلام الفلسطينية تحتقر الدولة اليهودية. عرف أن العالم ليس دائما الى جانبنا. واحيانا افضل صديقاتنا – الولايات المتحدة – التي صوتت مع اقامة دولة اسرائيل قررت ان تفرض علينا حصارا.

لقد عرف ان هناك من يرفض سياستنا من الداخل ايضا، لكنه لم يفكر للحظة ان القيادة تعني الخنوع للخطر والهجوم والتحريض وتشويش الهدف الاساسي: الحفاظ على اغلبية يهودية لضمان مستقبل اسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية. لقد سار في طريق دافيد بن غوريون. وعرف أنه لا وقت للقائد لتأجيل الحسم. الحصان السريع للتاريخ لا يمنح فرصة التوقف. ورغم التحريض ضده لم يلبس اسحق الواقي الفيزيائي او السياسي. وعرف أنه في الحقبة الثانية عليه الاستمرار في طريق السلام رغم أن الطريق مليئة بالالغام – من اليمين واليسار.

نحن الاعضاء في حكومته اخترنا طريقا واضحة كنا مخلصين لها. عملت الحكومة كطاقم حقيقي حيث كان على رأسها زعيم قوي ومصمم على طريقه، لا يتحرك ولا يمكن تحريكه. انجازات حكومة رابين تتحدث عن نفسها: غيرت الحكومة الاولويات الوطنية. عالجت البنية الاجتماعية الاقتصادية لنا. بنت وازدهرت. سعت وراء السلام بثمن حل وسط تاريخي لا يمكن بدونه تحقيق السلام: دولتين لشعبين. عرفنا في  حينه ما نشاهده اليوم – اذا كانت دولتين لشعبين تكون انتفاضة واحدة لجميع الاطراف. حظيت اسرائيل باعتراف عالمي بسبب تصميمها الشجاع على السلام والطابع الديمقراطي والبنية الاجتماعية التي اقامتها. حظيت بالاعتراف رغم أنه في عام 1948 لم يكن هناك شريكا للسلام، حقق سلام شجاع مع اكبر الدول العربية، مصر، مع اقرب الدول العربية، الاردن.

حكومة رابين كانت نموذجا للقيادة الحقيقية وعلى رأسها قائد لا يخطئ. نجحت في الدمج بين الحلم الكبير والافعال الكبيرة واثبتت ان معالجة الموضوع الاجتماعي لا تلحق الضرر بالبناء الضخم سواء في المجال السياسي أو المجال الامني. كانت هذه الحكومة ثورية ايضا في مجال التعليم، الثقافة والعلم حيث حصل ازدياد دراماتيكي في اجور المعلمين. وازدادت  ميزانية التعليم من 8 الى 14 ملياري شيكل. وحصلت نقلة نوعية في التعليم العالي بالذات في الضواحي حيث اقيمت معاهد كثيرة. وبنية المواصلات ازدهرت حيث كان العنوان الشارع رقم 6 العابر لاسرائيل – والذي سمي طريق اسحق رابين – حيث أن اسرائيل بدونه كانت ستبقى مشلولة حتى اليوم. وفي مجال الصحية الحكومية منع انهيار صندوق المرضى وحصل حوالي مليون مواطن من الوسط والمحيط الاجتماعي على تأمين صحي حيث أن كل مواطن يستطيع الوصول للطبيب وأخذ العلاج.

قربت حكومة رابين بين المواطنين اليهود وغير اليهود – العرب، الدروز، البدو، المسيحيين، المسلمين. عملت من اجل زيادة المساواة والشراكة المدنية، واستثمرت في البنى التحتية في الوسط العربي وعززت التعايش ومنحت مخصصات الاولاد للجميع بشكل متساوٍ. علاقات اسحق رابين مع الولايات المتحدة وصلت لذروتها سواء من قبل الادارة الامريكية أو من قبل الدعم من قبل الحزبين الديمقراطي والجمهوري.

في المجال السياسي تم تحقيق الاتفاق المرحلي في حكومة رابين الاولى مع مصر وبعد ذلك اتفاق السلام مع الاردن. ووضعنا اساس حل الدولتين للشعبين. احترم العالم اسرائيل بسبب تميزها وديمقراطيتها ودمجها النادر بين الشجاعة العسكرية وبين السعي للسلام.

كل هذا لم يكن زيارة في حديقة الورود. واجهنا عمليات ارهابية صعبة. غير الفلسطينيون موقفهم وعرفات لم ينشىء شعب واحد بسلاح واحد. ولم تتوقف الاجنحة المتطرفة وكان تحريض كبير ضدنا. ولدينا في الداخل كانت اصولية، احداث كثيرة من سفك دماء. ولكن يمكن اليوم ان نقول انه رغم جميع العقبات وجميع التهديدات ورغم الرصاصة التي قتلت رابين فان القاتل المجرم فشل في مهمته وسوف يعيش ويموت في السجن. يغئال عمير لم ينتصر لانه لا يمكن قتل الطريق.

طريق رابين بقيت لدينا. واليوم اكثر من أي وقت آخر تنقصنا قيادته التي تمتلك الحلم الواضح والذي يثير الامل في قلب الشعب. قيادة شجاعة تعرف الحسم الصعب  كما عرف رابين وكما عرف بن غوريون – وعلى رأسها الحسم التاريخي ان مستقبل دولة اسرائيل كدولة يهودية ديمقراطية سيصان فقط اذا حافظنا على الاغلبية اليهودية وانفصلنا عن جيراننا الفلسطينيين، هذه الطريق الوحيدة المتبقية، طريق الحل الوسط التاريخي من أجل مستقبل اولادنا ومن اجل مستقبل دولتنا.