عاجل

الرئيسية » ثقافة » عناوين الأخبار » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 24 تشرين الأول 2015

(صور) مدريد: المدينة التي تنام باكرًا وتستيقظ قبل الشمس(2)

الحياة الجديدة- رحمة حجة- بيد حليمة خارطة مدريد، وبيدي قائمة بأسماء الأماكن المقترحة للزيارة، والهدف الأول هو الميترو كي نصل إلى قلب العاصمة "سول".

نحاول إيجاد أي شخص يتكلم الإنجليزية ليدُلّنا، ثم نذهب، وهناك مكاتب لبيع التذاكر تمكننا من دخول محطات الانتظار، إذ توجد بينها والمكاتب بوابات صغيرة تفتح إلكترونيًا عن طريق إدخال البطاقة. وأخيرًا نحن في محطة الانتظار، نحمل خارطة الميترو ونحاول فك ترميزتها وألوان خطوطها المتشابكة.

وبالطبع لا نكتفي بالسؤال مرة ومرتين وثلاثة، كي نستدل إلى "الميترو الصح" إذ يمر العديد من مسربين، إذا أخطأت في أحدهما لا شك بأنك ستضيّع الكثير من وقتك.

أركب هذا الاختراع الجميل لأول مرة في حياتي، ولا أرى شيئًا عبر نوفذه الزجاجية الشفافة لسرعته، فقط أسماء محطات التوقف التي تظهر بوضوح حين يُبطئ سرعته ثم يقف، ونحن نراقب اللوحة الإلكترونية الناطقة بأسماء المحطات، مترصدّتين "Sol". التي نصلها أخيرًا.

وحين نصعد الدرجات إلى بوابة الميترو الموصلة إلى الساحة الرئيسة في "سول"، أشعر بالشمس تشعّ بين أعيننا بعد مكوثنا في ظل المترو، ولا نعرف أيّ مسلك نمشي أو إلى ماذا ننظر، فكل ما حولنا مثير لفضول البصر.

نحن في قلب ساحة تُدعى " Puerta del Sol" وتعني بالعربية "بوابة الشمس"، وما حولها عبارة عن طرق وتفرعات عديدة، تستطيع اختيار أي واحدة لاكتشاف ما تؤدي إليه، وبدورنا اخترنا إلقاء نظرة على الساحة نفسها أولًا، ثم اختيار مسلك محال الهدايا والتذكارات، المُيامن لمحطة حافلات هناك، وهي ذات الطريق المؤدية إلى الحديقة العامة الأكبر في مدريد وتُدعى "El Retiro Park".

وتبيّن لي بعد قراءة المزيد عن هذه الساحة، أن المسالك حولها ليست صدفة، إذ تعتبر نقطة تقاطع لعشر طرق رئيسة، ويطلق عليها "الكيلومتر صفر"، ...أي أنها نقطة انطلاق تبدأ منها جميع شوارع مدريد ويمكن معرفة هذه الساحة بمجرد مشاهدة تمثال دب يقف تحت شجرة، ما يمثل رمزًا لأهالي العاصمة الإسبانية. كما يعود بناء الساعة في هذه الساحة لعام 1856، وتمثال الفروسية للملك كارلوس الثالث إلى عام 1997.

كما أن "بوابة الشمس" كانت واحدة من بوابات جدار يحيط بمدريد في القرن الخامس عشر، ومن المعالم الموجودة في محيط الساحة نذكر: المبنى القديم لمكتب البريد، و Tío Pepe"" وهي اعلامة التجارية الأشهر للنبيذ في مدريد، تأسست عام 1844. ويجدر الذكر أن هذه الساحة شهدت أهم حركة احتجاجات في مدريد، خاصة في عام 2011 إذ اعتبرت نقطة مركزية لانطلاق التظاهرات. (ويكيبيديا)

وهذه الساحة ملأى بالسياح من مختلف دول العالم، الذين يلتقطون الصورة للمباني وللحركة النشطة فيها، حيث ترى أشخاصًا يستعرضون مواهبهم للعامّة على مدار الوقت، ومن يرغب في إعطائهم المال في المقابل، يستطيع، ولا يطلبون المال من أحد، ولا يتوقفون عن استعراض قدراتهم التي تبدو أحيانًا أشبه بالسحر إذا لم يعطهم أحدٌ مالًا، فالرزق "ع الله".

ويبدو أن أيلول هو شهر التنزيلات في مدريد، إذ تحاول المحال التخلص من بضائعها الصيفية استعدادًا لعرض الخريفي والشتوي، ومنها من عرضه بالفعل.

الأسعار في محال بيع التذكارات "سوفينيرز" متفاوتة، ولاحظتُ أن المحال التي يبدو مالكوها من المهاجرين (من أمريكا اللاتينية مثلا)، أسعار بضائعها أقل وبفارق واضح. بينما الأسعار الباهظة بالفعل تجدها لبضائع فريق "ريال مدريد" من قمصان وكرات وكؤوس، والمفارق أنك لا تجد تذكارات في كل محال "سول" مرتبط بفريق "برشلونة"، وجدتُ فقط "قلم رصاص وكأسًأ صغيرة جدًا".

سنجذّف لاحقًا

الطريق إلى "باركي ديل ريتيرو" تعجّ بالمباني التاريخية الضخمة، تشبه في شكلها القصور التي كنّا نراها في أفلام تمثل حقب القرون الوسطى، نعرف بعضها وآخر لا ندرك ماهيّته، والمساء يقترب من غروب شمسه، نلقي نظرة خاطفة على متحف "برادو Museo del Prado" وهو المتحف الوطني الرئيس في إسبانيا، ويضم أعمالًا فنية هامة من مختلف دول أوروبا منذ القرن الثاني عشر للميلاد، وعلى بوابته رأينا لافتة كتب عليها "توجد 10 لوحات لبابلو بيكاسو"، وفي ساحته يجلس باعة التذكارات، مركزين على بطاقات المعايدة التي تحمل لوحات فنية أصولها موجودة في المتحف.

وكان المتحف صمم عام 1785 للطبقة الحاكمة في عهد الملك كارلوس الثالث، وفتحت أبوابه للعامة عام 1819، وفق "ويكيبيديا". اكتفينا بإلقاء نظرة من الخارج ثم واصلنا طريقنا إلى الحديقة العامة.

وبين "بوابة الشمس" و"باركي ديل ريتيرو" اكتشفت أنني جئت هذا المكان سابقًا لكني لم أدرك أني وصلت المعالم الأبرز في المدينة، وهذا حين سرتُ من فندق "مدريد تَوَر" إلى مبنى البلدية، فكلها تقع داخل مربع واحد.

البوابة الضخمة للحديقة تشي بهيبة ونبضٍ عتيق لهذه العاصمة، حتى ندخلها ونجد شارعًا مرصوفًا على جنبيه بالتماثيل. شبان وشابات يتبادلون القُبَل على أرضية حديقة مفتوحة إلى اليسار ولا أحد سواهم فيها، كأنها خُصصّت للعشاق. فرقة تغنّي فيها صبية والفتية يعزفون مقابل ما تيسّر من جيوب المارّة، وامرأة "تكشف البَخت" وشابٌ آخر يعزف. شبّان يُطعمون البط والأسماك التي تسبح في البحيرة، التي لا نكُفّ إليها النظر، لكننا وصلنا في وقت انتهى تأجير المراكب الصغيرة فيها، لنكتفي بمشاهدة من تبقى يحرك بالمجاذيف بعضًا من سعادته، وتضحك لنا من بعيد امرأة محجبة، وتؤشر لزوجها إلينا، ثم نرى امرأة أخرى محجبة، لنكون أربعتنا استدللنا إلى بعضنا بابتسامات رابطها الدين وربما العروبة.

تماثيل على شكل أسود تعيدني إلى دوار "المنارة" في رام الله، ونُصُبٌ تذكارية تجتذب الصور، ثم إلى مشهد واحد نستريح، ونراقب السكينة التي بدأت تحل على المكان مع هبوط الليل، وشاب يعزف الجيتار إلى جانبنا ويعجبني من أوتاره الشجن، خلفنا النصب التذكاري لملك إسبانيا عام 1886 ألفونسو ألاتناشر داخل الرواق نصف الدائري الذي يحتضن المشهد، وكأنه مقتطع من "الكولوسيوم" في مدينة روما الإيطالية.

نفكر بأننا سنعود مرة أخرى وسنجذف في أحد المراكب ونجلب طعامًا لأسماك البحيرة ونتعرّف إلى باقي معالمها، غدًا وربما بعد غد، ولكن هل نعود؟