عاجل

الرئيسية » ثقافة » عناوين الأخبار » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 20 تشرين الأول 2015

(صور) مدريد: المدينة التي تنام باكرًا وتستيقظ قبل الشمس (1)

الحياة الجديدة- رحمة حجة- هذه النافذة الكبيرة الشفافة المغلقة للسيارة التي أستقلّها حتى فندق "Eurostars Madrid Tower"، تمنحني الطمأنينة، وتصلني بأول خطواتي في قارّة أوروبا، كما تُعيد إلي إحداثيات الطفولة والمراهقة وما بعدهما، التي احتفت زمنًا ما بأيقونات من إسبانيا وعنها.

أتذكّر التشبيه البليغ في عبارة "أجمل من زهرة غاردينيا في عتمة شعرٍ إسباني" التي يغنيها خالد الشيخ، وانصرافنا وصديقاتي في المدرسة وقت "الفُرصة" لنتسلل إلى غرفة الحاسوب ونُطالع مجموعة من صور المغنّي إنريكي إغليسياس وأخجل من قميصه المفتوح ثم نتغنّى بجاذبيته، إلى جانب الكاسيتات القديمة التي أحضرتها أختي من الأردن لوالده، خوليو إغليسياس، وكأنني أضغط على زر تشغيل أغاني المفضلة من كليهما، وخلال استماعي لموسيقى الذاكرة، أُقبل بشغف على بلاد "الفلامينغو" وتكعيبية بابلو بيكاسو وسوريالية سلفادور دالي، الذي بدأت معرفتي به عبر بطاقات معايدة أهدتني إياها صديقتي الدنماركية.

هذا الحشدُ في رأسي يقودني أيضًا للكلمات الإسبانية التي تعلمتها عبر مسلسل "نانو وكاميليا" المترجم، الذي عرضتهُ "سوريا الثانية" في حقبة قديمة، فهذه القناة كانت نافذة أيضًا، تُعرّفنا بقيمة الاستماع إلى اللغة الأصلية من دول عديدة، من خلال أعمال مترجمة ونشرات أخبار، تلك الحقبة التي لم يذعن فيها العقل إلى "الجاهز" كما الآن، وقبل بضع سنوات، إذ ظهر الوجه البشع للاستهلاك بدبلجة المسلسلات من تركيا وكوريا والمكسيك والهند وكرواتيا، ناهيك عن السينما العالمية!

أصل الفندق، وأرى قَدَرَي فيه، الرقم "924" لغرفتي، المطلّة على الشارع الرئيس، وعلى شروق الشمس وغروبها، يحجب بعضها برج شاهق.

إلى "وسط البلد"

في دردشة عن السّفر مع زميلي وأستاذي خليل شاهين قبل نحو أربعة أعوام، حدّثني كيف يمكن للمسافر أن يغتنم الوقت، ويستكشف الأماكن حوله دون أن يرتبط بالبقاء في الفندق، أو بالذهاب إلى مقاه ومطاعم لا تضيف الشيء الكثير إلى تجربته، وعادت كلماته إلي "أحفظ اسم الفندق ثم أمشي وأستكشف وما دام الاسم معي سأعرف بالتأكيد سبيل العودة"، وبالفعل، أحملُ الدفتر الصغير الموجود في الغرفة، كتب عليه اسم الفندق، وأبدأ المشي باستقامة، إذ خشيتُ الضياع بين التعرّجات، وأظل أمشي، هدفي الوصول إلى وسط البلد، أو الزمن الماضي في قلب مدريد، وكلما شعرت باقترابي، مع رؤية التماثيل والصروح المعمارية والنُصُب التذكارية القديمة نوعًا ما، أكمل السير، ولا أتعب إلا قليلًا، وأفكر "كلما ابتعدتُ عن المطار سأصل".

والمسافة التي مشيتها بين منطقتي "Paseo de la Castellana" و"Plaza de las Cortes"، كانت وفق "Google maps" 10,4 كيلو متر، إذ وقفتُ في نقطة النهاية، وقررت أن هذا الوقت يكفي للبحث عن وسط البلد التي عرفت لاحقًا أن اسمها "Sol"، لكني لم أجدها.

ومن أبرز معالم مدريد التي مررت بها في تلك المسافة: بويرتا دي أوروبا (The gate of Europe) وهذا الاسم الحديث لبرجين متقابلين متناظرين في الشكل، بينما اسمهما الأول "Torres KIO" . و"Caja Madrid Obelish" وهي مسلة مثل مسلات الفراعنة لكنها هنا ذهبية اللون، ومستوحاة –وفق ويكيبيديا- من "العمود الذي لا نهاية له" الروماني، مرورًا بعدد من الميادين والنوافير على هيئة تماثيل لم أتوصّل لأسمائها جميعًا، حتى الوصول إلى مبنى البلدية (Cybele Palace) أو ما يُعرف بـ"قصر الاتصالات"، ولفتت انتباهي لوحة كبيرة معلقة عليه ترحب باللاجئين "Refugees Welcome"، إضافة إلى ""Puerta de Alcalá وهو صرح يشبه في تصميمه قوس النصر في فرنسا، لكن بأقواس عدة.

بالطبع كل هذه الأسماء عرفتها بعد زيارتها، إذ صوّرتها جميعًا لأراها في ما بعد تملأ "جوجل" بمجرد أن تكتب "مدريد"، لكن أيًا منها لم يكن في القائمة التي أعددتها قبل السفر سوى "بوابة ألكالا Puerta de Alcalá"، من خلال نصائح مسافرين قبلي إلى المدينة، تعرفت منهم إلى أهم الأماكن والطبق الأكثر شهرة في المدينة وهو لحم الخنزير المقدد "الهام- الهامون- الخامون"، إضافة إلى طبيعة وسائل النقل والفروقات بين أجرة كل منها.

لا تشعر بالغربة أو بالغرابة وأنت تسير في شوارع المدينة كما لا يُشعركُ أحدٌ بذلك من خلال نظرة أو إشارة، وقد تستعجب إذ لا ترى سواك يحمل الكاميرا، على طول المسافة التي ذكرتُها، إذ استنتجتُ لاحقًا أن السياّح أساسًا يتواجدون في "سول Sol" أو محيطها، وعند المتاحف والقصور الملكية أو في حفلات "الفلامينغو".

لا روائح سيئة في الشوارع، وعلى طول المسافة لم أصادف سوى 4 مدخنين ورائحة سجائرهم منكّهة، كما تنبعث من أكثرية المشاة الذين مرّوا عنّي روائح عطور زكيّة، أما أكثر ما رأيت بعد البشر والمركبات الخاصة في الشوارع، فهو "الموتسيغلات Vespa" وهي أكثر عددًا من الدراجات الهوائية، ولكل منهما مواقف خاصة، إضافة إلى الكلاب التي تسبق أصحابها في المسارات على الأرصفة، تمشي مع الأطفال والعجائز والشابات الجميلات، ذوات البشرة الشقراء المصبوغة قليلًا بفعل أشعة الشمس، لكن لم تصل إلى اللون المحروق أو البرونزي، هو لون جذابٌ جدًا، كما تعلو أكتافهن وأعناقهن حُمرةٌ خفيفة تضفي على الجسد ضوءًا يزيده جاذبية.

وفي مدريد، الرصيف حقًا رصيف، يكفي للجميع، والشارع أيضًا شارع، يتسع لمختلف وسائل التنقل "تاكسي- حافلة- مركبة خاصة- دراجة هوائية- دراجة نارية" ولاحظتُ وجود مسارب خاصة للتاكسيات.

التاكسي في مدريد لونه أبيض رسم على جزء منه خط أحمر مائل، يأخذ مقابل كل كيلو متر يورو واحد إضافة إلى نحو 3 يورو ضريبة مبدئية، بالتالي يعتبر التنقل به مكلفًا للكثير من الأشخاص، بينهم أنا، فمثلًا كلّفتني العودة للفندق في مسافة 10,4 كيلو متر في الحافلة يورو ونصف اليورو، كما استخدمت المترو من "سول" وهي تبعد مسافة 7,1 كيلو متر عن الفندق، بنفس الأجرة، بينما لو استقللتُ التاكسي سيكلفني قرابة 15 يورو.

أما بالنسبة للحافلات، فالتي استقللتها بعد العاشرة ليلًا، وقعت في مرمى الصدفة الطيبة؛ لأنني تواجدت قرب محطة انتظار للحافلات ستمرّ منها الحافلة المبغيّة في ذات الموعد، وحين سألت شابةً عن كيفية الوصول إلى الفندق، بالأحرى إلى منطقة "باسيو دي لا كاستيلانا"، أخبرتني برقمه وكم يحتاج من الوقت حتى يصلني، وهي الثانية التي كانت تتكلم الإنجليزية بعد امرأة سألتها وحاولت جاهدة أن توضح لي المعلومات بلغة الإشارة إضافة إلى تحدثها باللغة الإسبانية.

وفي تجربتي هذه، كل من طلبت منه المساعدة حاول ما باستطاعته، والقليل يتكلم الإنجليزية، ويجيبك بابتسامة إذا كان لا يعرفها ويعتذر منك عن عدم المساعدة.

وصلنا "سول"

في اليوم التالي، أي أول أيام مؤتمر "مسار للمساواة الجندرية في شمال أفريقيا والشرق الأوسط"، الذي أشارك فيه بصفتي صحافية، تعرّفتُ بزملائي وزميلاتي من الإعلاميين العرب، وكنّا معدودين على أصابع اليدين، واتفقتُ مع الزميلة المغربية حليمة على الذهاب لـ"سول" وذلك بمساعدة خارطة مدريد ونصائح هيلين، التي كانت موكلة من قبل لجنة المؤتمر المرعي من الوكالة الإسبانية للتعاون الدولي من أجل التنمية، عن مرافقتنا للغداء بعد اختتام اليوم الأول.

تؤشر لي هيلين، إلى أهم الأماكن من العشرة التي أحضرتها عبر الإنترنت، وتدلّنا على مواقعها في الخريطة، وأعتمد على فهم حليمة، لأنني لم أحاول الفهم، كما تدلّنا على "الميترو" كي نستقلّه إلى هناك.

وكانت هيلين زارت فلسطين في وقت مضى، وهو ما عرفته بعد أن سألتها عن ميدالية الفضة التي تعلقها في عنقها بسلسلة فضية، كتب عليها اسمها باللغة العربية. وبالطبع، نتجه تلقائيًا للحديث عن فلسطين وعمّا تروّجه إسرائيل حول الضفة الغربية وأنها مكان "غير آمن" كي تثني الأجانب عن زيارتها، لكن هيلين زارت الخليل ورام الله وغيرها من المدن وأعربت لي عن حبها للبلاد، كما قادنا الحديث أيضًا إلى "إيلان بابه" وأول ما لفظتُ اسمه قالت فخورة "لقد كان أستاذي".

كما تخبرني هيلين عن قصّة لافتة اللاجئين التي رأيتها، هذا بعتد تعبيرها عن صدمتها بأنني سرتُ كلّ تلك المسافة، وتقول: "الحكومة الإسبانية بشكل عام حددت أعداد اللاجئين المسموح بدخولهم البلاد، بينما المجتمع المحلي في مدريد تحديدًا يرى بعدم التحديد، ويدعو للترحيب بأي لاجئ".

حليمة، إلى أين سنتجه الآن؟
لا أعلم!
ههههه ألم تقولي أنك فهمتها؟

تبتسم "لم أفهم شيئًا"!

إذًا نحن الآن مشروع تائهتين في مدريد، نقف في الشارع، ننظرُ إلى بعضنا البعض، وإلى الخريطة، نحاول فهم المسارات، ثم نقوم بالخطوة الحاسمة..