عاجل

الرئيسية » ثقافة » عناوين الأخبار » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 19 تشرين الأول 2015

(صور) إلى إسبانيا.. الرحلة الأولى خارج مثلث الجسور (3)

الحياة الجديدة- رحمة حجة- يقول الأديب الألماني يوهان غوتة إن "المرء لا يسافر كي يصل بل لكي يُسافر"، وهذا النص جزء من حكاية سفر أول خارج حدود الأردن وفلسطين والعالم العربي، وفي الحكاية أنا والطريق ونساء ورجال قابلتهم/ن، ذهابًا أو عودة.

_______________________________

إذًا، ها أنا أجلسُ في طائرة الـ"Airbus Industrie A321" أتعرّف إلى المُرافِقات حول المقعد بسهولة، وعينيّ تترقّب مشهدَ الإقلاع، الذي لم أتخيّل أنّ له صوتًا مجلجلًا أيضًا، إذ تبدأه الطائرة بالسير في ساحات المطار بهدوء، ثم أسرع فأسرع والصوت الهادر يستمر، وأسرع جدًا حتى ترتفع عن الأرض، ويخفق القلب وتنتابني سعادة كبيرة. ألتقط فيديو البداية، لكنني في السماء أستشعر متعة النظر إلى الأردن، وكلّها أضواء وسط كل هذه العتمة، وحين تختفي نهائيًا، أدرك أننا ارتفعنا كثيرًا، وتجاوزناها في مسافة الجو.

أتذكّر نصّا طفوليًا جدًا من حصص اللغة العربية في المدرسة، يصف منظر العالم من الطائرة، جاء فيه "تبدو البيوت كعلب الكبريت"... ياااه، أخيرًا طرت!

في السواد الحالك حولنا، لا داعي للنافذة، فقط العقل يتأرجح بين الشك واليقين في هذه الماكنة التي أبدعها الإنسان وتعزله فجأة عن كل العالم تحته، ورغم وحدته في هذه المساحة الشاسعة من العتمة، يشعر بالأمان! فأكثر عبارة كنتُ أسمعها عن الطائرة "أأمن وسيلة نقل".

أقلّب التلفاز الصغير أمامي، وأستكشف اختيارات "الطيران التركي" من الموسيقى والأفلام، كما أبحث عن العربيّ فيها، وفي الأولى كانت فيروز وحسين الجسمي وسعد المجرد إضافة إلى فنان مغربي لا أعرفه ونسيت اسمه، وفي الأفلام واحدٌ مصري وآخر فلسطيني، الأول يبدو توثيقيًا دراميًا والثاني هو "لما شفتك".

لم أشاهد شيئًا بالكامل، بل اكتفيت بالقراءة عن بعض الأفلام الأجنبية ربما أشاهدها مستقبلًا، كما لم أنَم. كنت أترقّب استدارة الكون لجلب أشعة الشمس، كي أرى الغيم يلاصق النافذة، الشيء الذي طالما رأيته في صور الأصدقاء، وانتظرت لحظة مشابهة في عدستي، لكن العتمة ما زالت سيدة الفجر.  

مطارات "الحُكّام"

نصل تركيا، تتجلى بجمال مبانيها التي بدأت تظهر أوضح فأوضح كلّما اقتربنا من الأرض، حتى هبطنا في المطار، ولكن الهبوط عكس الإقلاع، فإذا كان الأول يبدأ بطيئًا ثم يسرع، يبدأ الثاني سريعًا، ثم يُبطئ، وهكذا حتى وصلنا السرداب الذي ينتظرنا، في نفس الموعد الذي تم تحديده في تذكرة الطائرة، والساعة الآن 6:05 بتوقيت اسطنبول.

ومن المطار المنسوب اسمًا للملكة الراحلة علياء زوجة الملك الراحل حسين بن عبدالله،  إلى "Istanbul Ataturk Airport" ، المنسوب اسمًا إلى مؤسس تركيا الحديثة، مصطفى كمال أتاتورك، والمقصد الأخير " Adolfo Suarez Barajas MAD" وهو المطار الدولي الرئيس في العاصمة الإسبانية مدريد، ويقع في منطقة "باراخاس"، بينما اسمه منسوب إلى أدولفو سواريز، وهو أول رئيس وزراء منتخب ديمقراطيًا في إسبانيا بعد ديكتاتورية فرانثيسكو فرانكو، حسب "ويكيبيديا".

وإذ كانت "السورية" وأبناؤها الوصيّة، وجدتُ الشاب الأردنيّ وحده حين مشينا في ممرات "أتاتورك" ولم أرها مطلقًا، وأتممتُ المسير أيضًا وحدي، أسأل كلمّا جهلتُ شيئًا.

للمغادرين المطار ممرٌ خاص، وللمسافرين مرة أخرى "ترانزيت" ممرٌ آخر، نمشيه، حتى نقطة تفتيش قبل الدخول إلى السوق الحرة، ومعرفة مكان البوابة "Gate"، ولا شيء غير ذلك نقوم به من إجراءات.

تسألني عراقية عن موعد رحلتها إلى العاصمة الدنماركية كوبنهاغن، ويُسعدني أنني استطعت ذلك عبر اللوحة الإلكترونية المعلق بنسخ عديدة في أرجاء المطار، لكن رقم البوابة لم يتم تحديده بعد، الشيء الذي دعانا نسأل موظف أمن تركي عن الأمر، سألناه بالإنجليزية فردّ علينا بالعربية، وقال إن المعلومة ستظهر خلال نصف ساعة.

جنسياتٌ ووجوهٌ ولغاتٌ عديدة في المطار، وما أكثر ما رأيت من اليهود الذين يُنبؤون عن هويتهم بقبعاتهم السوداء الكبيرة أو جدائلهم المتدليّة على أكتافهم، ولا أعلم هل هم فقط "يهود" أم إسرائيليون أيضًا، لكنّي لم أرتح حين قابَلت عيناي ببعض أعينهم.

وبعد معرفة رقم البوابة "212" الخاصة بسرداب طائرة مدريد، كان لا بُدّ من جولة في السوق الحرة، فهناك محالّ التذكارات التركية والماركات العالمية من عطور وحقائب وملابس وأحذية، إضافة إلى المطاعم و"كُشك" البوظة التركية، أما الأسعار فأقل ما يُقال عنها أنها خرافية!

وفي الانتظار، ترى طقوس المسافرين، بعضهم ممدٌ على الأرض، وآخر على المقاعد، قليل يقرأ وكثيرٌ يمسك هاتفه "الذكي"، وأنتظر معهم، وأراقب تحرك الطائرات وسكونها في مطار "أتاتورك" قبل بزوغ الشمس.

وفي تمام الساعة 7:40 صباحًا، بدأ فحص الجوازات للدخول إلى الطائرة من نوع " Airbus Industrie A330-200"، والشمس ترتفع شيئًا فشيئًا من بين الطائرات الساكنة والقادمة، ونحن هذه المرة لم نصل طائرتنا مباشرة، إذ هبطنا إلى باص بانتظارنا، ليُقلّنا إلى درج الطائرة المتوجهة إلى مدريد، كانت لحظةً حلم. تمنيتُ لو تسنّى لي التقاط صورة وأنا أصعد درج الطائرة، تمامًا كما في الأفلام، حيث تظهر نجمات السينما تصعده منهن من تمسك قبعتها العريضة كي لا تطير وأخرى فستانها، وتلوحن بأيديهنّ للمودعين.لا بأس، الــ"سيلفي" هي الحل.

هذه المرة، جلستُ في مقعدٍ ظانةً أنني فهمت الترقيم، حتى أتت شرق آسيوية قالت لي إنني أجلس مكانها "بجانب النافذة"، ولم أطلب الانتقال، كي أجرّب الجلوس أقلّ قربًا من النافذة. ويبدو أنها معتادةٌ على السفر لأنها أغلقت النافذة مرات عدة كي تنام، بينما ظللت أنتظرُ الغيوم لالتقاط الصور.

 كنّا نحلّق فوق الغيم، نعم فوقه، دون أن يحاذينا أو نلمسه. لم تلامس أيّ غيمة جناج طائرة لكننا كنّا نسبح فيه.

الرحلة بين اسطنبول ومدريد بدت أطول من الأولى (عمان- اسطنبول)، وهي بالفعل هكذا بفارق ساعة نصف. لكن، ليتني أستطيع النوم.. وإذ حاولت تجنّب الذهاب إلى حمام الطائرة في الرحلة الأولى، لم أستطع هذه المرة. الفكرة أنني لم أستوعب بعد الفكرة! لكن الحاجة تجعلك تستوعب أي شيء، وفعليًا كان أهم شيء فيه أنه نظيف ولا ينقصه أيٌ من متطلبات النظافة الشخصية. وهذا فعليًا مريح.

بين كل وقت وآخر، تصلنا نصائح من غرفة القيادة، والمضيفات جاهزات دائمًا للمساعدة، إلا تقديم الدواء، إذ احتجتُ بانادول فقالت لي إحداهن "We don't give Medicine". أظن توجد أسباب منطقية لهذا، لكن وجع الرأس هو غير المنطقي في هذا الفضاء الرحب.

I am Rahma

ها هي إسبانيا بجبالها وأراضيها وأنهارها تظهر من نافذة الطائرة، وتزداد المساحات قربًا في الهبوط، لتكون محطّتنا مطار "ادولفو سواريز" في مدريد، ويعتبر بوابة "شبه جزيرة أيبيريا" إلى مدن أوروبا والعالم، ومحطة الانطلاق من أوروبا إلى أمريكا الجنوبية، وفق توصيف "ويكيبيديا".

لا "Gates" الآن، ولا ممرات إلى السوق الحرة، انتهت الرحلة، وحان وقت ختم الجوازات، ومئاتُ المُنتظرين، وليس إخلالًا بالنظام مررت عن طابور طويل ووقفتُ في أوله، لكنني حقيقة لم أعرف أين أقف بدايةً، وحين وصلت الموظف، قال لزميله "Palestina بالستينا" وهو اسم فلسطين بالإسبانية، وابتسم، ورحب بي، وابتسمت.

وحان وقت استلام الحقائب، وها هي حقيبتي تسير نحوي بهدوء عبر الماكينة الخاصة، أستلمها بسرعة، وأجري نحو المَخرج، لأبحث عن شخص قد يكون رجلًا أو امرأة، يحمل ورقة باسمي، فأجد غالبية المنتظرين تحمل أوراقًا فيها أسماء، أتجاوز الصفّ الأول منهم، ولا اسم لي، لأجد في الصف الثاني صفًا من الرجال يرتدون بدلات رسمية، واحدٌ منهم حمل ورقةً كتب عليها اسمان، في الأعلى اسمٌ عربي Rania، نزلتُ ببصري إلى الثاني فوجدت "Rahma Hejja"  لأجري نحوه وأقول له "I am Rahma"!