عاجل

الرئيسية » ثقافة » عناوين الأخبار » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 18 تشرين الأول 2015

(صور) إلى إسبانيا.. الرحلة الأولى خارج مثلث الجسور (2)

الحياة الجديدة- رحمة حجة- يقول الأديب الألماني يوهان غوتة إن "المرء لا يسافر كي يصل بل لكي يُسافر"، وهذا النص جزء من حكاية سفر أول خارج حدود الأردن وفلسطين والعالم العربي، وفي الحكاية أنا والطريق ونساء ورجال قابلتهم/ن، ذهابًا أو عودة.

________________________________________________

 

"أهم إشي البوردينغ Boarding" هي العبارة الأكثر تكرارًا على ألسنة المسافرين قبلك في الطائرة، حين يمنحونك عددًا من النصائح التي اكتسبوها بالخبرة، وبدأت النصائح من غرفة صديقتي الفنانة مي، في رام الله، مرورًا بزميلي في مكتب "الحياة" خلدون، حتى أمي وأختي في عرابة، وانتهاءً بخالي وابنه وزوجتيهما في عمّان، وكلٌ منهم حدّثني عن بعض رحلاته السابقة التي جعلتني أحلّق افتراضيًا تفاؤلًا بأولى خطواتي داخل مطار الملكة علياء في العاصمة الأردنية عمّان، والوُجهة تركيا.

بناء على كلّ النصائح التي تتعلّق بالــ"Boarding" ومعرفة رقم الـ"Gate البوابة التي تؤدي للطائرة"، توقعتُ أن أتوه، لكن مطار "علياء" بنسخته الجديدة "New Terminal"، لا يدع مجالًا للضياع، فكل معلومة تحتاجها مكتوبة في لافتة كبيرة تراها حيثما اتجهت صوب هدفك، وحظيتُ بالوصول باكرًا ولم أقف طويلًا في طابور تسليم الحقائب وفحص الجوازات من قبل الموظف الخاص بالطيران التركي، إذ لم يكن في تمام الثانية عشرة والنصف سواي وعائلة أردنية- تركية، لننتقل بعد الانتهاء إلى قسم تسلّم تذاكر الطيران والتعرّف على رقم البوابة.

  • بوابة 202 لو سمحت، أين؟
  • بعد السوق الحرة..

وقبل السوق الحرّة بوابة تفتيش أخيرة، تظل ترن كلما مشيت وأعدتُ الكرة، حتى استلمتني موظفة لتفتيشي جسديًا، وتبتسم لي "ربما الجسر" في إشارة إلى تقويم الأسنان الذي أضعه، وبضحكتين منّا، دخلتُ المرحلة قبل الأخيرة من صعود الطائرة، مطمئنةً أكثر من السابق، وأملك الوقتَ للتعرّف على مكان الـ"Gate"، وبالفعل، أذهب وأمرّ من بين البضائع المتنوعة وغرفة زجاجية خاصّة بالمدخنين، ومرافق عدة، حتى أصل البوابة، ثم أعود لجولة في السوق، وكنت ظننتُ أنني قد أستغل وقت الانتظار للقراءة، لكنها المرة الأولى، لذا لا بُدّ من الاستكشاف.

تجذبني العطور والمصنوعات التراثية الأردنية غير اليدوية، فأجرّب على وريقات أنواعًا عدة من العطور لعلنّي أجدُ ضالّتي إذ مللتُ ما أستخدمه حاليًا، وأحفظ نوعين لاقتناء واحد منهما مستقبلًا، لكنّي أيضًا أستغلّ فرصة الــ"Testers" فأحتفظ بما أعجبني على يدي وشال العنق، ولا شيء آخر يلفت انتباهي حتى وصلتُ إلى زاوية بعيدة عن السوق الحرة وهي لــ"بريّة الأردن" التابعة للجمعية الملكية لحماية الطبيعة.

بريّة الأردن     

شعار الجمعية الملكية لحماية الطبيعة "نساعد الطبيعة.. نساعد الناس" وفق صفحة "بريّة الأردن" الرسمية في "فيسبوك"، وحسب اللوحات المُعرّفة بعمل الجمعية والمحميات الطبيعية والورش الفنية والحرفية المرتبطة بعملها، في المطار، تقول إحدى اللافتات: "هذا الشعار رفعته الجمعية لإيمانها بأن حماية الطبيعة والتنمية الاقتصاية يمكنهما أن تتحدّا وتتحققّا معًا. كما تؤمن أن طبيعة الأردن يمكنها توفير قاعدة لاقتصاد بديل يساعد المجتمعات المحلية في تحسين نوعية حياتهم".

أما عن "البريّة" بشكل خاص، فهي إحدى مديريات الجمعية المسؤولة عن برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية وكذلك السياحة البيئية. ورغم أن لكل منهما شعاره الخاص، إلا أن الاختلاف لأغراض تسويقية بينما هما مرتبطتان ارتباطًا وثيقًا لتحقيق رسالة واحدة، حسبما توضح اللافتة نفسها.

يشرح لي الموظف في نقطة البيع التابعة لـ"بريّة الأردن" طبيعة عملهم مع فئات مختلفة من المجتمع المحلي، عبر الحرف اليدوية وتطوير الأفكار الإبداعية، فيما المواد الخام لكل الأعمال طبيعية وصديقة للبيئة، الشيء الذي بدا واضحًا في المنتوجات، ومنها على سبيل المثال دفاتر أوراقها معادة التصنيع، أغلفتها من قماش يحمل نقشات أردنية.

ولا أنسى في ركن "البرية" الإكسسوارات الفضية، المصنوعة باليد، بتصاميم مستوحاة من الطبيعة، وبأسعار غير سياحية، مقارنة بالأسعار الباهظة لبضائع الركن الأردني الثاني الموجود في نطاق السوق الحرة.

انتظار

بعد الانتهاء من جولة حول وفي أرجاء السوق الحرة، حان وقت انتظار فتح الــ"Gate" لدخول الطائرة، وأملك من الوقت اليسير، الشيء الذي يُعرّفني بثلاثة، شابٌ أردني، وامرأة سورية، وأردني-فلسطيني هو موظف في دائرة التوطين والهجرة التابعة للأمم المتحدة، التي تتخذ مكتبًا لها في المطار.

نتحادث أربعتنا، وأجد كالعادة قصّة جديرةً بالذكر.   

السورية وأطفالها جلسوا قبالتنا نحن الثلاثة، وكان الموظف يرشدها من جهة ويوصينا بها خيرًا من جهة أخرى، سيّما الشاب الأردني لأنه وإياهّا متوجهان إلى نفس الدولة، الدنمارك.

لقد انتظرت الأم التي عملت مدرسّة في عمّان، زوجها، ثلاثة أعوام، إذ يقيم منذ بداية الأزمة السورية في مدينة كوبنهاجن. وهي من اللاجئين الذين لم يلاقوا صعوبات كثيرة في الأردن كونها معتادة على السفر بين دمشق وعمّان، ولها أقرباء في الثانية، كحال الكثير من السوريين المقيمين في العاصمة الأردنية منذ زمن طويل ولهم محالهم وأسواقهم الشهيرة، تميّزهم من صفاء بشرتهم وعيونهم الواسعة ولهجتهم السوريّة أيضًا، خاصّة إذا تجوّلتَ في سوق "مانكو" وسط عمّان القديمة.

وعن معاملات الهجرة، يقول الموظف، إن الإجراءات تتطلب كحد أعلى ثمانية شهور، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة الأميركية تقدّم الكثير من التسهيلات للاجئين السياسيين مقارنة بأوروبا، وهو أمر غير معروف لدى كثيرين.

الحديث يأخذنا تلقائيًا إلى فلسطين، فهو من قرية العباسيّة المهجرّة قضاء يافا، عاش في الأردن ودرس في سوريا. لم يزر قريته أبدًا، لكنّ شبابه شهد حبًا من مدينة البرتقال، لم يستمر، لا لشيء، فقط لأن تقسيمات الجغرافيا في بلادنا قد تمنع أي شيء!

وعن سوريّا يقول "العبّاسي" لي: "صحيح أنا فلسطيني.. بس أنا بحب سوريّا كإنها وطني وأكتر، وبتوجع على كل اللي بصيرلها. كيف لأ، وأجمل مراحل حياتي عشتها فيها، وكنت أروح في أي وقت بدي عليها.. الذكريات الحلوة سوريّا".

القُبلَة

حان وقت السفر، تسلّم كلٌ منّا رقم مقعده في الطائرة، ودخلنا السرداب المؤدي للطائرة، الذي يشبه التصاقه ببوابة الطائرة، القُبلة، كما يبدو لي من زجاج النافذة، أمّا تعرّجاته في الغلاف الخارجي، منحتني شعورًا مرتبكًا، كأن السرداب معلق في الهواء غير ثابت، وقد يقع في أي لحظة إذا ما مشينا جميعنا فيه، وسرعان ما تخلّصت من هذه المشاعر حال سيري فيه، حتى وصلنا الطائرة، ودخلتها أخيرًا، تنتظرنا المضيفات التركيات بابتساماتهن المرفقة بــ"Good Morning" تمام الثالثة وربع فجرًا.

أسأل المضيفة عن مكان مقعدي، إذ لم أفهم طريقة الترقيم، فترشدني إليه، وبعد أن نستقرّ جميعًا وتبدأ استعدادات الإقلاع، أستعيد نصيحة الجميلة مي، بأنني أستطيع تغيير مقعدي، و"ما كزّبت خبر" وطلبت الانتقال لآخرَ قرب النافذة، وبالفعل انتقلت، وألصقت عينيّ بالنافذة الصغيرة، أنتظر تلك اللحظة.