عاجل

الرئيسية » ثقافة » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 17 تشرين الأول 2015

إلى إسبانيا.. الرحلة الأولى خارج مثلث الجسور (1)

الطريق (1)

الحياة الجديدة- رحمة حجة- يقول الأديب الألماني يوهان غوتة إن "المرء لا يسافر كي يصل بل لكي يُسافر"، وهذا النص جزء من حكاية سفر أول خارج حدود الأردن وفلسطين والعالم العربي، وفي الحكاية أنا والطريق ونساء ورجال قابلتهم/ن، ذهابًا أو عودة.

________________________________________________________

ذهاب

 

"هل حقًا أنا في الطريق إلى إسبانيا؟ لن أصدّق حتى تدوس يميني الطائرة التركية" أفكر وأنا أمسك الرقم 701 على جسر "الكرامة"، وحشدٌ من البَشر في قاعة الانتظار، بدأوا التحرك بعد الرقم 200، إذًا بيني وبين الباص نحو 500 شخص، وأغادر حدود الضفة الغربية.

ليست المرة الأولى التي أتخطّى فيها مثلث الجسور (الكرامة، اللنبي، الملك حسين)، كما ليست الأولى التي أفكر أن كل تجربة عبور تستحق الكتابة.

ولأنني لم أعهد هذا النظام سابقًا، فآخر مرة سافرت إلى الأردن كانت قبل نحو ثمانية شهور، جلستُ أراقب العبّار كما أسميته، لأنه المسؤول عن فتح البوابة وإغلاقها أمام المتدافعين ببطاقاتهم المُرقّمَة، حين يلفظ رقمًا على مسامع الانتظار. ورويدًا رويدًا بدأت أفهم الآلية. هو ينادي مثلًا "320" ويكون الرقم قبله "280" أي أن كل الذين أرقامهم بين الرقمين يحين دورهم.

وكما في قاعات انتظار البنوك، تتعرّق الأوراق بين أيدينا، ويتلاشى حبر الكلمات أثناء طيّها وتقليبها، وربما نصنع منها "سفينة" كي نضيّع الوقت والأفكار. وأترقّب مصادفات كما الخُرافات..

ألحظُ الروائي أحمد حرب، وأشعر أن الوقت غير مناسب للاندفاع إليه وإلقاء تحية المُعجبين، فهو منشغلٌ بالعبُور ومحاورة العبّار. كما تصادفني الصديقة ميسا الشاعر، مُبدعة "كزدورة وصورة"، التي تتجه صوب "الحكايا" في العاصمة الأردنية عمّان.

شيءٌ واحدٌ يلفتُ انتباهنا، نحن الجالسون إلى جانب بعضنا في المقاعد القريبة من الصناديق التي تفحص جوازات سفرنا، وهو مشهدٌ تبكي فيه امرأتان، واحدة بالثوب الفلسطيني التقليدي، وأخرى بعباءة سوداء، الأولى تبدو في أواخر الستينيات من عُمرها، تُودعان رجلًا يبدو في منتصف الأربعين، وتبكيان كثيرًا، وتمسح الأولى دموعها بطرف شالها. تقبلّ كتفه وتعانقه بحرارة، وتُطيلُ العناق، ثم تُهدرُ دمعًا غزيرًا وتصنعان هديرًا في الرّوح قُبالة كل هذا الوجع. ولا تغادران إلى جانب رجل آخر وقف مودّعًا، حتى ينتهي الأول من فحص جواز سفره ويهمّ بالخروج من باب "استراحة أريحا" لتلتقطاه مجددًا وتعانقاه باكيتين، ولا تغيبان حتى يغيب عن القاعة، ونغيب نحن في التأويل.

يقول الشاب الجالس بجانبي لآخر بجانبه "هدول من ساعة ما وقفوا عياط؛ تقول اللي رايحلهم مش راجع" وأفكر "فعلًا.. أو ربما كان عائدًا من غياب طويل جدًا..". موجعٌ  كان البكاء في لحظات الوداع هذه، خاصّة أن لا صوت ولا جلجلة سوى في أذهاننا التي تتقصّى الذاكرة في لحظات مشابهة وربما خائفة من المستقبل.

أحد الموجودين تنبّه من بعض المسافرين إلى أنه لم يدفع ضريبة الجسور (155 شيقل)؛ إذ تم تغيير مكان تحصيلها من داخل القاعة، إلى قاعة ثانية خارجها، اشترينا منها تذاكر الحقائب والباص أيضًا.

وفي الباص نجلس، ليتوجّه بنا إلى "جسر اليهود" أو "اللمبي" كما تسميه إسرائيل. في منتصف المسافة، يتوقف بنا مدة ساعة، آكل فيها "الشيبس" وأكتب بعض الملاحظات، وأغفو، وأحاول النوم، وأتأفف، وأسمع بكاء أطفال معنا، وأشفق عليهم.

تغنّي نوال الزغبي إلى جانب وائل كفوري "مين حبيبي أنا؟" عبر الراديو، ويصلني الصوت الخفيض، وأفكر بالجواب بين ثلاثة "الكرامة، اللنبي، أو الملك حسين"!

يتحرّك الباص أخيرًا، ونصل "اللنبي". نتحرك بهدوء، ثم ننتقل إلى الساحة التي تبيع تذاكر الباصات والحقائب. نبحث عن حقائبنا، ونحملها معنا إلى جسر "الملك حسين". أصادف امرأة ظلمتني يومًا، أتجنبّها كي أتفادى تحيةً مباغتة منها لي أو منّي لها في لحظة نسيان مفاجئة، وهي التي تنافح في "بروبوزلات" مشاريع المؤسسات النسوية عن حقوق المرأة، لتظلمهن في حياتها الخاصّة وتستغلّ ظروف السكن للغريبات في رام الله.

الكثير يعرض المساعدة، ربما لأنني امرأة وحيدة. ندخل الباص. راحة أكثر قليلًا إذ لم يعد يفصلنا الكثير عن الحدود الأردنية.

تجلس إلى جانبي امرأة تبدو في أواخر الستينيات بعد مفاوضات مع امرأة أخرى في الثلاثينيات كانت أجلست ابنها الصغير جانبي. نتبادل حديثًا، ونملأ الورقة البيضاء التي توجد فيها معلومات السفر إلى الأردن، من رقم الجواز وسبب الزيارة وعدد المرافقين والمنطقة المقصودة وتاريخ انتهاء الزيارة.

 على جسر "الملك حسين" جرت الأمور كالمعتاد، ننتظر عند النوافذ لفحص جوازات سفرنا، ثم نمرّ لدفع الـ"10 دنانير" ضريبة دخول الأردن، ونسلّم ما تبقى من الورقة البيضاء، إذ سلّمنا قسمها الصغير العلوي الذي يحوي الاسم ورقم الجواز في الباص. ندخل ونبحث حقائبنا مرة أخرى، ثم أحمل حقيبتي وأكمل المسير، لأرى ضحكة خالي الجميلة بانتظاري.

عودة

في طريق العودة إلى فلسطين، تحديدًا إلى الضفة الغربية، تتجلّى الأسئلة الصعبة حول الذات، إذ ينكشف الوجه الآخر لأكثريّتنا، أقصد الوجه الأناني. كلنّا يريد أن يصل أسرع، وكلّنا يظن أنه بأخذه دور غيره سيكون "الشاطر"، وفي نفس الوقت، نتذكر القانون والنظام بشدة لدرجة أن لا اعتبارات لدى البعض للمسنين والأطفال الرُضّع فلا يستطيعون التنازل عن مكان في الطابور لصالح أن يخففوا التعب عنهم.

وكنت منهم، حين دخلتُ حدود "الملك حسين" بوجه عابس، ورأيتُ امرأة تسير مع أربعة أو خمسة أطفال، أحدهم بين ذراعيها، تتقدّم عنّي مع حقائبها، لأقول لها بنبرة متعالية "لو سمحت دوري.." فتجيبني بنبرة تفضح غبائي "يا حبيبتي أنا من الساعة وحدة ع الجسر مش رح يعيقني أستناكي كمان.."!

وهي نفس المرأة التي أخرّتها الموظفة في جسر "اللنبي" أكثر من نصف ساعة، إلى جانب أطفالها الذين يبدون جميعًا في هيئات رثّة، وصرخت الموظفة في وجهها، وتأفأف باقي الطابور خلفها يردد بعضه "أخرتنا كتير.. مالها هاي.. ايش هادا؟!"، وأحاول تعويض خطئي الأول بالتعاطف معها، حتى هدأ البال حين رأيتها في موقف المركبات العامة في استراحة أريحا.

أما في الطريق بين "الملك حسين" و"اللنبي"، فأجلس في المقاعد الأخيرة بين امرأة ثلاثينية وشاب عشريني وامرأة تبدو في آخر الخمسين. الأخيرة نقلوا حقائبها من الباص الذي نستقلّه إلى آخر، فظلّت تتحادث والتي إلى جانبها إذا كانت الحقائب ستصل أو تضيع، ثم سألت عددًا من الركاب، ولم تصدق طمأنة الجميع بأنها ستصل، ما دفعني والشاب للضحك ثم وضع على أذنيه "هيدفون" كي يتخلص من هذا الجدل الطويل.. غفوتُ في الطريق، لتوقظني الثلاثينية حين الوصول وتحادثني بلطف كبير.

وفي المحطة الأخيرة قبل "الكرامة" أنتظر حقائبي بصمت يجرّ معظم "العتّالين" إلى الاستفسار من أجل المساعدة، لكنني قررت ألا أتوتر أو أبكي مثلما فعلت ذات يوم، لأن الحقائب "هيك هيك رح توصل" مهما تأخرت، ثم تصل، وأدخل دوّامة التدافع مرة ثانية، حتى إذا اقتربنا من إنهاء معاملاتنا في "اللنبي" سمعت فلسطينيًا يتكلّم العبرية، لألتفت إليه، فإذ به مثلي مسافر، يحادث الموظفة التي لا تنبس بأي ابتسامة، ويضحك، وتضحك زوجته، ولا أستطيع في كلّ مرة أعبر هذه المساحة، إلا أن أتذكّر القاضي الأردني- الفلسطيني رائد زعيتر الذي قتل برصاص موظف إسرائيلي بين الجسرين!