عاجل

الرئيسية » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 30 أيلول 2015

سلمنا الاجتماعي مهدد !!

الفقر وقدم قانون العقوبات وبطء البت في القضايا.. ثالوثٌ يزعزع السلم الاجتماعي

جنين- الحياة الاستقصائية - إسلام باسم أبو عرة- دق عدد من المسؤولين الامنين والحقوقيين والمختصين الاجتماعيين، ناقوس الخطر ازاء تصاعد جرائم القتل في مجتمعنا وتصاعد وقوع الشجارات المميتة التي ذهب ضحيتها (38) مواطنا ومئات الجرحى خلال العام الجاري، ما يستدعي التدخل الفوري والعاجل لوضع آليات لضبط هذا التدهور الحاصل على مستوى السلم الاجتماعي والمساس بقدسية الدم الفلسطيني وتنامي مخاطر تمزق العلاقات الاجتماعية بين ابناء شعبنا الذي ما زال يعيش تحت الاحتلال.

ويجمع العديد من الخبراء والمختصين الاجتماعيين والحقوقيين في إطار التحقيق على اهمية  تطويق نطاق البيئة المشجعة على تنامي العديد من الظواهر السلبية الخارجة عن ثقافة شعبنا وقيمه الذي يعتبر تماسكه الاجتماعي احد اهم مقومات صموده في مواجهة الاحتلال وسياساته على المستوى الامني والاقتصادي والاجتماعي، مشددين على أن تعظيم التماسك الاجتماعي وحمايته يشكل تحديا حقيقيا امام كافة المؤسسات الرسمية والاهلية والاقتصادية خاصة في ظل الظروف التي يمر بها شعبنا في الوضع الراهن.

وحسب مدير عام الهيئة المستقلة لحقوق الانسان، عمار دويك، فإن اغلب الوفيات غير الطبيعية خلال الاعوام الثلاثة الماضية نتج عن شجارات داخلية بين العائلات، موضحا ان المشكلة تبدأ على المستوى الفردي وتتطور لتصل الى مشاكل على المستوى الجماعي خاصة في ظل وجود ثقافة لدى العائلات والعشائر بأهمية الوقوف مناصرة أبناء العائلة ظالمين أو مظلومين.

وقال دويك: "إن مصدر القلق يكمن في اننا ما زلنا نعيش تحت الاحتلال اضافة الى الوضع غير المستقر سياسيا وامنيا واقتصاديا الذي تعيشه السلطة الوطنية وعدم سيطرتها على المناطق (ج)، الامر الذي يوفر بيئة ملائمة لتنامي المشاكل المجتمعية والجرائم كما حدث في اكثر من مدينة ومحافظة في الوطن.

واضاف: "لغاية الآن ما زالت لدى مجتمعنا آليات غير رسمية مثل الحلول العشائرية ودور الفصائل والاحزاب في حصر الشجارات وضبطها، لكن في الوقت ذاته فاننا نلمس تنامي النزعة الفردية وضعف قوة تأثير العشيرة او العائلة على الافراد ما يجعلنا ندق ناقوس الخطر الذي في حاله استمرار هذا الوضع فإنه يؤسس الى بيئة مشجعة للعنف المجتمعي خاصة اذا ما وقع الفلتان الامني او الفوضى الامنية وانهيار المنظومة الامنية القائمة".

من جانبه كشف المتحدث باسم جهاز الشرطة، لؤي زريقات، عن تصاعد الجريمة في مختلف محافظات الوطن الامر الذي يستدعي العمل من اجل وضع حد لها عبر تضافر الجهود والتشدد في الاجراءات القضائية لمعاقبة مرتكبي هذه الجرائم، مشيرا الى ان جهاز الشرطة بصدد انجاز دراسات تحليلية للوقوف عند مسببات الجرائم وكيفية مواجهة هذا العدد الكبير.

وقال :" اغلب الجرائم تبدأ من شيء بسيط لكنها تتطور نحو ارتكاب الجرائم ما يتطلب دراسة هذا الواقع ووضع الحلول المناسبة للسيطرة عليه".

"ويعاني مجتمعنا من مشاكل متمثلة بزيادة البطالة والفقر وفقدان الأمن الغذائي، ما ينعكس على الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسلم والأمن الاجتماعي، الذي يعرف بأنه الوصول إلى الحد الأدنى من الحياة الكريمة والعادلة للإنسان في بيئته وحسب بيئته، فالموضوع نسبي يتعلق بالإنسان ووطنه وقطره"، كما يقول مدير مديرية الشؤون الاجتماعية في محافظة جنين جمال عمر.

ويرى الباحث إسلام أبو عون: أن مفهوم الأمن الاجتماعي يشير إلى تلك الحالة التي يشعر فيها المجتمع بالراحة ويشعر المواطن بعدم الخوف على حاضره ومستقبله وتوفر فيها مؤسسات التنشئة المجتمعية الحماية له فيما يخص دينه وماله وعرضه وتتيح له المشاركة الايجابية في المجتمع.

ويقول أبو عون: "وجدت الدولة وفق السيرورة التاريخية بسبب عقد اجتماعي اتفق فيه على قيام سلطة عليا تدير أمور الأفراد؛ بسبب استحالة الحياة المنفردة والقدرة على العيش بشكل مشترك، ويؤدي بالضرورة غياب سلطة الدولة وإعادتها إلى الإفراد إلى انفراط في العقد الاجتماعي واستقرار المجتمع".

الفقر والبطالة أرضية خصبة

 وحسب جهاز الإحصاء الفلسطيني فإن نسبة العاطلين عن العمل من بين المشاركين في القوى العاملة في الربع الأول 2015 بلغت 26.6% في فلسطين، بواقع 16.3% في الضفة الغربية و41.6% في قطاع غزة. كما تصل نسبة البطالة في فلسطين بين الإناث المشاركات في القوى العاملة إلى 36.2% مقابل 22.8% بين الذكور.

ووفقا للاحصائيات الصادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، ومنظمة الأغذية والزراعة، ووكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين وبرنامج الغذاء العالمي الصادر عام 2014 فإن مستويات انعدام الأمن الغذائي في فلسطين مرتفعة جداً، حيث إن ثلث الأسر الفلسطينية (33%) أو ما يعادل 1.6 مليون شخص يعاني من انعدام الأمن الغذائي، وفقاً للمسح السنوي للأمن الغذائي لعام 2013.

وترى الأخصائية الاجتماعية اعتدال الجريري أن المشاكل الاجتماعية كالبطالة والفقر تعتبر الأرضية الخصبة للعنف الأسري، فحين يعجز الفرد عن توفير احتياجاته واحتياجات أسرته، لا بد أن تتأثر علاقته مع زوجته أو أطفاله، بالتالي يتأثر المجتمع ككل؛ فالأسرة هي أساس المجتمع فحين يكون الفرد قادرًا على توفير احتياجاته واحتياجات أسرته يكون هناك تماسك وتواصل أسري.

ووافقها الرأي مدير مكتب وزارة الثقافة في جنين عزت أبو الرب قائلاً: "عندما يكون الإنسان محتاجًا لقوت يومه كيف يمكن لذهنه أن يكون صافيًا وتفكيره سليمًا؟ وحياتنا الاجتماعية لا تنفصل عن الدين لقول رسول الله: لا رأي لجائع"، فتوفر المعيشة الكريمة للإنسان تفتح أمامه أبواب الفكر والإبداع وأقوى أدوات البناء هي الاقتصاد الذي يعتبر عاملا رئيسيا لبناء الأنفس والفكر والاستقرار، معتبراً انه في ظل الاحتياجات الضرورية والواسعة ومتطلبات الحياة الكبيرة وغياب الدخل الذي يلبي تلك الحاجات ويوفر المتطلبات سيفكر البعض مثلا بالسرقة والسطو على أموال الآخرين، وإساءة العمل الوظيفي تؤدي إلى خلل اسري اجتماعي.

ويكشف المقدم د. محمود صلاح الدين، مدير إدارة البحوث والتخطيط والتطوير في التقرير السنوي لفعاليات وانجازات الشرطة عام 2014 أن الجرائم الواقعة على الأموال أبرزها في هذا الإطار هي السرقات، وكان عددها (3617) جريمة، وأما الحالات الخارج الإطار الجرمي وأبرزها الانتحار فقد سجل وقوع (19) حالة انتحار منها (15) ذكرا، و(4) أنثى، وكانت الأداة الأكثر استخدامًا الشنق، بينما سجل وقوع (485) حالة شروع بالانتحار منها (172) ذكرًا، و(313) أنثى وكانت الأداة الأكثر استخداما شرب الدواء".

ويرى أبو الرب أن العنف يخل تماماً بالأمن الاجتماعي إضافة إلى ثقافة التمرد والتمييز تجعل الإنسان يمارس أفعال تضر بالحياة اليومية والاجتماعية، كما أن شعور الإنسان بالظلم وغياب العدالة الاجتماعية وأنه يعيش بلا أمل يشعل وتيرة الإخلال بالأمن الاجتماعي.

وأشار مدير مديرية الشؤون الاجتماعية في محافظة جنين جمال عمر الى أن حالات التفكك الأسري تزداد مع حالات الفقر، حيث إن الفقر يؤدي إلى تفكك اسري مثل "حالات طلاق، هروب" وذلك له علاقة بالوضع الاقتصادي السيئ الذي يعيشه عديد الأسر في المجتمع الفلسطيني، وكل ما زاد البطالة كلما زاد الوضع الاقتصادي سوءا وكلما زاد الوضع الاقتصادي سوءا زاد التفكك الأسري.

ويرى الباحث إسلام أبو عون أن الشعور بالتهميش والفقر والبطالة من قبل بعض الجماعات في الدولة تؤثر بشكل كبير على الأمن الاجتماعي لأنه من المعروف أن الفقر من أهم دوافع الجريمة والشعور بالنقمة على الفئات غير الفقيرة علاوة على الدولة، كما أن البطالة تحدث خللا في نظام الأمن الاجتماعي خاصة عندما تتحول إلى ظاهرة عامة تحدث قلقاً حيال مستقبل هذه الفئات مع مراعاة الجوانب المشتركة بين الفقر والبطالة. حيث تؤدي البطالة إلى الفقر.

ويشير التقرير السنوي لفعاليات وانجازات الشرطة عام 2014 الى ارتفاع ملحوظ في معدل الجريمة في فلسطين و88 جريمة لكل 10 آلاف، حيث قدرت نسبة جرائم القتل وحدها ارتفاعا بنسبة 10.7% خلال عام 2013، حيث بلغ عدد جرائم القتل (31) جريمة نتج عنها (34) حالة وفاة منها (23) ذكرا، و(11) أنثى، واحتلت جرائم القتل أثناء المشاجرات المرتبة الأولى بين دوافع ارتكاب جرائم القتل بنسبة 35%، في حين شكلت جرائم القتل على ما يعرف بخلفية الشرف ما نسبته 15%، وعن الأدوات المستخدمة في ارتكاب الجريمة سجل السلاح الناري أعلى نسبة بما يزيد على 40%.

ويرى مدير مكتب الشؤون الاجتماعية في مدينة جنين جمال عمر أن للفقر تأثيرًا مباشرًا على السلم الاجتماعي وخاصة في فلسطين، ونسبة البطالة عالية جدا وإجراءات الاحتلال التعسفية من اغلاقات وحواجز وجدار، و"مزاجيات" الاحتلال بالتحكم بدخول العمال إلى أراضينا المحتلة، كل ذلك يؤثر بشكل مباشر على توسيع دائرة الفقر بالمجتمع الفلسطيني بالتالي يؤثر على الأمن والسلم الاجتماعي.

بعض العادات والتقاليد.. وقود تهدم السلم الاجتماعي

ويرى الباحث أبو عون أن النعرات العائلية والجغرافيا من الأسباب المؤدية إلى النتيجة نفسها حيث تعد المجتمع المنسجم عرقيا وجغرافيا من المجتمعات القادرة على الإنجاز في السياق الإنساني العام، مقابل حالة المجتمع المنهك وفق الصراعات سواء الطبقية أو الدينية أو الاجتماعية أو المناطقية الجهوية، لذا تم استحداث الهوية الوطنية الجامعة مقابل الهويات المختلفة كحل لهذه المعضلات.

وبما يتعلق بأثر العادات والتقاليد على الأمن الاجتماعي أوضح أبو عون أن لها أثرًا من خلال القيم الناتجة عنها، فإن كانت تساعد في الصالح العام والمصلحة العامة وتغليبها فبالتأكيد يكون المجتمع أكثر أمنًا وترابطًا، ولكن في حالة كانت ترسخ الطبقية والنزاع المناطقي والديني فستكون عائقًا أمام تحقيق تنمية اجتماعية وسياسية تساهم في تقدم المجتمع.

ويرى مدير مكتب وزارة الثقافة في جنين عزت أبو الرب: ان فلسطين تعيش وضعًا صعبًا وقلما تجد بيتا في فلسطين دون مشاكل نفسية وحالات اجتماعية صعبة وحلها يكون عند ذوي الاختصاص على مستوى العلم وليس المشعوذين وغيرهم ممن يلبسون عباءة الدين لتحقيق مآرب خاصة لأن اللجوء إليهم يعتبر جريمة بحق الإنسانية والدين؛ ولذلك تجب مقاطعتهم ومنعهم من التدخل بحياة الناس.

"لا تعطني السمك، بل علمني كيف أصطاد"

في ظل ارتفاع مستويات الفقر وأعداد العاطلين عن العمل لا بدّ من الجهات المسؤولة كوزارة الشؤون الاجتماعية العمل للحد أو التقليل من ارتفاع هذه المستويات وتفشيها ما يهدد بشكل أو بآخر السلم الاجتماعي، وحول ذلك يقول مدير مكتب الشؤون الاجتماعية في جنين جمال عمر: إن وزارة الشؤون الاجتماعية تعمل منذ قدوم السلطة على تنفيذ مشاريع تنموية للأسر الفقيرة، تهدف لتغيير حياة الأسر أكثر من التركيز على المساعدات التموينية والعينية، مع أن الوزارة وسعت دائرة المساعدات لأكثر من 110 آلاف أسرة بالضفة وقطاع غزة، وفي نسبة ليست بالقليلة من الأسر المحتاجة الموجودين على قوائم الشؤون الاجتماعية، وأن أكبر قاعدة للأسر الفقيرة موجودة الآن على قوائم الشؤون الاجتماعية.

وأردف عمر: نسعى دائما للشراكة مع كافة المؤسسات سواء الحكومية والأهلية والخاصة، لتعزيز المسؤولية الاجتماعية وهذه الجزئية الثانية من الحماية الاجتماعية، إضافة للتدخلات الحكومية الهادفة لتعزيز المسؤولية الاجتماعية، وهذه بالغالب تقع على عاتق القطاع الخاص.

وأوضح عمر: أن الوزارة تستهدف قطاعات مختلفة من المجتمع وأهمها في آفة الفقر: الأسر كثيرة العدد، والأسر التي تفتقر لرب الأسرة ويقودها، والأسر التي يثقل كاهلها ذوو "إعاقة" أو أطفال مرضى بمرض مزمن ومسنين، ونستهدف قطاعات تخصصية كقطاع الطفولة، من خلال الإسهام بحماية الطفولة من جانبين: التدخل لحمية الأطفال للإيذاء وتوفير بيئة أسرية أمنة للأطفال، وتوفير توعية مجتمعية بالشراكة مع المؤسسات الأهلية، وهذا الدور تقوم به شبكات حماية الطفولة المتوفرة  في كل محافظات الوطن.

ويضيف: "الحد من البطالة مسؤولية مجتمعية كاملة ومشتركة بين القطاع الحكومي والخاص والأهلي، وهناك برامج مختلفة نقدمها كشؤون اجتماعية، وهي جانبان: جانب خدماتي وجانب تشبيك وعلاقات مختلفة، فنحن نرى أنفسنا كمسؤولين عن الحماية المجتمعية وإدارة الإمكانيات المتاحة لصالح خدمة قطاع الفقر في المجتمع الفلسطيني".

وأشار عمر الى أن هناك شراكة حقيقية مع المحافظة والشرطة والأجهزة الأمنية للحفاظ على السلم الاجتماعي فقضايا الأحداث في القانون الأردني المعمول به في فلسطين تنص على أن يكون هناك مراقب من الشؤون الاجتماعية يتابع محاكمة الأحداث ووضع محامي دفاع عن الأطفال بالمحاكم والشرطة،  ونقوم نحن برعايته وإعادة تأهيله بدار الأمل في رام الله.

وترى الخبيرة في الشؤون الاجتماعية اعتدال الجريري أن المساعدات المالية والاجتماعية التي تقدمها الشؤون الاجتماعية لا تسد حاجة بل الحل يكمن بإيجاد مشاريع اقتصادية تنموية تفتح المجال أمام الفقراء وذوي الاحتياجات الخاصة على الاعتماد على أنفسهم وبناء استقلال اقتصادي لهم من خلال ما ينتجونه من مشاريعهم الخاصة ولا ينتظرون مساعدات غذائية أو مالية عينية كل شهر، كما يقول المثل :" لا تعطني السمك، بل علمني كيف أصطاد".

وأضافت الجريري أن على الشؤون الاجتماعية والمؤسسات ذات العلاقة العمل الجاد على الضمان الاجتماعي لكبار السن ليعيشوا بكرامة.

"الأسرة" بيدها الحل

وعن الدور الذي تلعبه الأسرة كونها اللبنة الأساسية لبناء المجتمع، أوضحت اعتدال الجريري أن المشاركة الفعلية والتخطيط والمناقشة وتوزيع الأدوار داخل الأسرة هو الحل لتجاوز العقبات وتلبية الاحتياجات  العملية والإستراتيجية.

وأضافت الجريري خطورة إلقاء اللوم والمسؤولية على فرد واحد، لأن ذلك يزيد الفجوة بل على جميع أفراد الأسرة حتى الأطفال المشاركة الحقيقية والفاعلة لأن مشاركة الجميع بالحوار تؤدي إلى التفهم والاحتواء ولكن السؤال الذي يطرح هل هناك ثقافة الحوار موجودة في الأسر؟ وهل هناك مساحة حوار كافية للإناث؟

وقال عزت أبو الرب حول دور وزارة الثقافة في توعية الأسرة: "الأسرة تحتل مكانة معينة في أعمالنا الثقافية لذلك لا نتردد في إقامة مشاريع وأمسيات تتناول الأسرة ونشرك الأسرة في أعمال مشتركة بينها وبين أبنائها، والمجتمع ككل عبارة عن أسر والأسرة عن أفراد".

كيف ننقذ المركب؟

السلم والأمن الاجتماعيان من المسائل المهمة التي ترتقي بالمجتمعات وتوافرها يعني استقرارًا اجتماعيًّا يقود إلى استقرار اقتصادي وتحقيق تنمية، ويرى الباحث أبو عون: أن الأمن  الاجتماعي يتحقق بالتوافق والإيمان بالثوابت الوطنية التي توحد النسيج الاجتماعي والثقافي الذي يبرز الهوية الوطنية ويحدد ملامحها، حيث يكون من السهل توجيه الطاقات للوصول إلى الأهداف والغايات التي تندرج في إطار القيم والمثل العليا لتعزيز الروح الوطنية وتحقيق العدل والمساواة وتكافؤ الفرص وتكامل الأدوار، ويعد استتباب الأمن والحد من الجريمة من أهم عوامل تثبيت الأمن الاجتماعي أيضًا.

"الحل يكمن بأن يتحمل الكل مسؤوليته في بناء وعي، وعلى كل شخص في موقعه ومكانه ووفق إمكانياته أن يساهم إلى حد ما في حل، لأن إلقاء المسؤولية على شخص دون آخر لا يكون حلاً بل يضيع القضية الوطنية والمسؤولية الاجتماعية العليا بتنصلنا منها، بل يتساوى بالمسؤولية كل طبقات المجتمع مع اختلاف حجم المسؤولية ومن يعمل بالوظائف الدنيا عليه مسؤولية كمن يعمل بالوظائف العليا"، قال عزت أبو الرب.

ويرى أبو الرب أن المجتمع كله يتحمل المسؤولية، والثقافة فعلياً هي عمل جمعي وجميع شرائح المجتمع الفلسطيني شريكة في حمل الرسالة وأدائها، "ونحن ننسج علاقاتنا ونقيم أعمالا مشتركة حتى تستطيع كل فئة وجهة وكل مكون من مكونات الحياة الثقافية أن يؤدي دوره لنصل إلى أقل ضرر ولا يستثنى من ذلك الكاتب والرسام والفلاح والشاعر والفنان التشكيلي والمغني الشعبي  والموظف والوزارة المحلية والطالب في جامعته والمحاضر في محاضراته، وإذا لم نعمل على هذه المسؤولية المشتركة نكون بشكل أو بآخر ساهمنا بإغراق المركب الذي لا يخرق إلا بتخاذل الجميع. يضيف أبو الرب.

وحول دور القانون في حماية المجتمع  ودعم النسيج الاجتماعي، يقول المحاضر في كلية الحقوق بالجامعة العربية الأمريكية أحمد أبو زينة: إن هناك غيابًا لثقافة احترام القانون، فالقانون ثقافة وقناعة قبل أن يكون نصوصًا ملزمة، وتفكك النسيج الاجتماعي وتراجع القيم والمبادئ وضعف الوازع الديني والأخلاقي كل ذلك يسهم بشكل كبير في انتشار الجرائم والعنف وأخذ القانون باليد".

ويضيف: لا يخفى أيضًا أن للقضاء العشائري "مع الاحترام لشخوص المنخرطين فيه وحسن نياتهم" دورًا في إضعاف القضاء المدني وعدم تطبيق العقوبات الرادعة على مرتكبي الجرائم خاصة جرائم القتل والإيذاء، وعدم فاعلية كثير من النصوص القانونية في قانون العقوبات وقدمها وعدم ملاءمتها للواقع الحالي، والبطء في البت في القضايا والفصل فيها نتيجة ضغط العمل في المحاكم، وانسداد الأفق السياسي يؤدي إلى نوع من الاحتقان واليأس وانعدام الأمل والثقة بالمستقبل، والعامل الاقتصادي له دور لدى البعض خاصة في الجرائم المالية؛ الأمر الذي يجد تعبيراته وانعكاساته في العنف وتفشي الجرائم".