عاجل

الرئيسية » منوعات » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 08 أيلول 2015

الحماة والكنة.. "حروب" أسرية تهدم البيوت

الحياة الجديدة - رجاء يحيى الشاعر - علاقة الحماة بالكنة ليست علاقة وفاق على مر التاريخ، وفي الغالب إذا ما كانت الكنة طيبة تكون الحماة شريرة والعكس والواقع الاجتماعي ينطق بمآس كثيرة، و"حروب" أسرية تقطع معها الأرحام وتهدم تحت وطأتها البيوت، نسمع يوميا أمثالا وحكايات عن الحماة والكنة، فالعلاقة بينهما شائكة منذ الأزل وشاع كثيرا أنها عدائية لم تتغير في مختلف الأوقات والأماكن، حيث غالبا ما تقرن صورة الحماة في الأفلام والقصص والكاريكاتير بالتسلط والتنكيد وتخريب حياة ابنها وزوجته.

سر الخلاف

يرى الاخصائي النفسي فضل أبو هين انه الخلافات بين الكنة والحماة تكثر وتتعدد أسبابها بالرغم من أن الكنة تكون إنسانة جيدة ومحبوبة من قبل الناس، والحماة أيضا تكون محبوبة من قبل الآخرين، لكن مع بعضهما بعضا تبدأ الكوارث، هناك الكثير من الناس يعتقدون ان هذا الخلاف أزلي ومحتم بين الكنة والحماة، وهو لا يعود إلى أن إحداهما سيئة، بل لسوء التفاهم بينهما، ولا نستطيع أن نلوم أية واحدة، والشيء الذي علينا التركيز عليه هو ما هية تفكير كل منهن.

ويضيف: تبدأ الكنة حياتها الزوجية بالتفاؤل والآمال والأحلام الوردية التي كانت تدور في رأسها قبل الزواج، وعندما تحاول تنفيذ ما كانت تحلم به مع زوجها، وبناء حياتها الخاصة كما تراها هي وزوجها سواء تأثيث منزلهما الخاص، أو تربية أطفالها كما تحب وطريقة طهيها للطعام، ويبدأ الزوج  بحصر اهتماماته بزوجته وبيته وأولاده الذين سيرزق بهم، ويبتعد قليلا عن أمه وعائلته أو على الأقل هذا ما تشعر به الحماة، وهنا يكمن السر، وهذا يولد مشاعر الغيرة عند الحماة، وتتطور هذه المشاعر إن وجدت من يغذيها، ويبدأ الصراع بينهما، وكلتاهما تصارعان على حق لهما، وتختلف شدة الخلافات من بيت لآخر فهناك بعض الحماوات مثلا يبدأن بدس الدسائس لكنتها، وبعضهن ينتهي به المطاف بالتسبب بطلاق الكنة، وفي منازل أخرى تكون الكنة هي التي تبعث الفتن بين زوجها وأهله، ويكون مسعاها الاستحواذ عليه وابعاده عن أهله من باب أنها لا تريد المشاكل معهم.

سلبت الابن من أمه

يقول أبو هين: الأم تشعر ان هناك من اختطف منها ما تملك وهو ابنها الذي تتعامل معه على أساس انه ملك لها من باب ان الولد وما يملك لأبيه وامه، لذلك تشعر ان هذا الولد الذي ربته وسهرت عليه وحملت به شهورا تسعة هو ملك لها فتمنع ان يشاركها به أحد الا بمقدار ما تسمح به.

ويضيف: عند زواج الابن تشعر الأم ان امرأة اخرى بدأت تشاركها ما تملك (أي ابنها)، وان الاتجاه المطلق اصبح للزوجة، فتصبح العلاقة غير متوافقة.

ويتابع: الأم لم تكن تدرك مسبقا ان هذا الابن سيصبح مستقلا ورجلا مسؤولا عن اسرته متمثلة بزوجته وابنائه بالدرجة الأساسية، لذا يحدث بالغالب نوع من الغيرة وتتوتر العلاقة ويغرق الزوج بينهما.

ويضيف: يفترض أن تعتبر زوجة الابن حماتها بمثابة أم لها وتعاملها بالاحترام المناسب، لأن هذا يفرض تقدير واحترام الزوج لها، مؤكدا أنه لا بد من طاعة الزوجة للحماة، بالرغم من أن هناك بعض الحماوات اللاتي قد يسببن مشاكل لزوجات أبنائهن، لكن على الزوجة أن تأخذ الأمور بحكمة، وتغض النظر عن بعض الأمور، مع التحمل حتى تكسب رضا زوجها، فعلاقة التعامل تندرج تحت درجة أخرى من القرابة غير الإسلام، كالنسب والرحم والجوار، وإن حماة المرأة "أم زوجها" يجب معاملتها بالحسنى، والتودد إليها والرفق بها، وتحمل أذاها، بل الأفضل أن تفعل ذلك، رعاية لزوجها وحفاظا على شعوره وكسبا لوده وطاعة الزوج في مثل هذا البر من حسن عشرته وكسب مودته.

تسلط واستيعاب 

 سناء احمد (28) عاما تقول: حماتي متسلطة، "تحشر أنفها" في كل صغيرة وكبيرة ليس بحياتي فقط، بل بكافة الأمور، كالتدخل في مواعيد النوم والاستيقاظ وزيارتي لبيت أهلي وتربيتي لأطفالي حتى في نوعية الطعام الذي احضره، وبطريقة ترتيبي وتزييني لمنزلي واختياري للألوان، بل وتحرجني وتضيق الخناق عليّ عند استقبالي لضيوفي، وتتحكم في حجم المصروف والمشتريات، ويستحيل ان يحدث شيء الا وتعلق عليه بالسلب ولا يتم الأمر الا بعد موافقتها ولا يطبق في حال رفضت، حتى أصبح ابنائي يطلبون الاذن منها وليس مني عند فعل أمر ما.

وتضيف: لو كان بمقدور حماتي منع النفس الذي أتنفسه لفعلت، اضافة الى انها لا تتحمل رؤيتي أنا وزوجي بحالة مستقرة حيث تبدأ بـ "بث السموم" بأذنيه حتى ينقلب ضدي، وان لم يكن زوجي متفهما ويحكم عقله قبل اتخاذه أي قرار وعلى علم ودراية بأساليب أمه لأصبحت حياتي لا تطاق.

وتتابع: أنا احترم حماتي وأحاول جاهدة الا يظهر مني موقف ينوب عن سوء تربية واحترام لها، فهي أولا وآخرا أم زوجي واحترامها بمثابة احترام له، اشعرها دوما انها الأساسية في البيت، على أمل ان تُحسن معاملتها لي، ومع انني عايشتها ثماني سنوات الا انها للأسف ما زالت على حالها.

كما تدين تدان

"أنا كنة وسأكون حماة في يوم ما".. هكذا بدأت اماني الوحيدي (24) عاما حديثها. وتضيف: لا مقياس في هذه العلاقة فقد شابت علاقتي بحماتي الكثير من المشاكل مرة مني ومرة منها، لكن في كل مرة وقفت وسألت نفسي عن أسبابها ويكون جوابي لا أعرف، لأنها تكون أسبابا تافهة فقط لكي نخلق المشاكل، وبدأت علاقتي بزوجي بالتراجع وأصبحت تزيد المشاكل بيننا بسبب مشاكلي مع والدته ووصلت بي الأمور بالتفكير بترك منزلي وطفلي.

وتتابع: وقفت مع نفسي للحظة وفكرت بالمشاكل التافهة التي ستدمر حياتي وتسلبني زوجي الذي أحب وطفلي فلذة كبدي، والكبير بالعمر يصبح كالصغير يحتاج لمن يرعاه ويهتم به، فلم أضع نفسي بمواقف لا طائل منها وأنا أستطيع أن أكسبها بصفي بكل الأحوال، واخفف عن زوجي ونفسي، وأن أجعل حياتي كما أتمنى، وأغض النظر عن أفعالها وأكون الوعاء الكبير الذي يتسع للصغير وأعاملها كما أتمنى أن تعاملني كنتي بالمستقبل، فكما تدين تدان، والحياة أهم بكثير من أن نهدرها بالمشاكل التافهة التي تنغص علينا حياتنا، فأحاول أن اتعايش معها وان كان على حساب حياتي وراحتي وسعادتي. 

الزوجة تؤثر على زوجها

الحاجة نادية (75) عاما ولديها خمس من زوجات الابن تقول: "كل واحدة من زوجات ابنائي تختلف عن الأخرى من حيث معاملتهن لي، زوجة ابني الكبير أنا في خلاف دائم معها، فهي لا تكن لي الحب والاحترام وتؤثر على ابني ولا يأتي لزيارتي وتشجعه على ذلك، لكن زوجه ابني الأوسط على عكسها تماما، هي من تذكره وتطلب منه زيارتي وتلبيه احتياجاتي، بينما زوجات أبنائي الأخريات يزرنني هن وازواجهن باستمرار فلم أجد منهن الا الاحترام والحب والتقدير وسعادتي من سعادتهن مع ابنائي".

وتضيف: ابنائي تختلف معاملتهم معي حسب زوجة كل واحد منهم، فالزوجة هي من تؤثر على زوجها وتوجهه اما للصحيح أو الخطأ، أما بالنسبة لزوجة ابني الأصغر فهي تسكن معي في البيت نفسه وتعاملني وكأني والدتها وتقوم برعايتي وتهتم بكافة اموري خاصة أنني امرأة كبيرة في السن بالمقابل انا اعتبرها كابنة لي.

طبيعة العلاقات

رئيس قسم الاجتماع بجامعة الأقصى الدكتور توفيق المصري يقول: كل علاقة يحكمها قانون يطلق عليه الحقوق والواجبات، للحماة حقوق لكن عليها قبل ذلك العديد من الواجبات والعكس مع زوجة الابن "الكنة" فلا بد ان تتقدم حقوق البشر على واجباتهم.

ويضيف: هناك علاقة تبادلية بين الحقوق والواجبات بين الطرفين تقوم على الاحترام والمحبة المتبادلة، وعلى الحماة ان تدرك ان زوجة الابن هي عمليا بمقام ابنتها وهي من ستنفعها في حالة مرضها وتعبها وشغلها وانشغالاتها خاصة وان كانت تسكن معها، فهي ستكون أم احفادها وستؤمنها على المنزل وأسراره وحرماته وتكون العلاقة مبنية على المحبة والتسامح، على عكس ابنتها البيولوجية الاجتماعية بعد زواجها التي ستتنقل الى مكان آخر.

ويتابع: في المقابل على الكنة ان تنظر الى حماتها على انها بمقام الأم وهي جدة أبنائها واحترامها لها جزء لا يتجزأ من احترامها لزوجها وللعلاقة الزوجية بينهما، وواجباتها تقوم على الطاعة والاحترام والمساعدة ولا تعني الخضوع والاستسلام وان تكون الطاعة بما يرضي الله ويرضي زوجها وإمكانية التعايش المشترك على ان يحتفظ كل منهما بشخصيته المستقلة استقلال نسبيا.

ويقول المصري: فيما يتعلق بموقف الزوج في الصراع فهي معادلة صعبة بالنسبة له حيث يقف حائرا بين طرفين مهمين في حياته (أمه وزوجته)، ونجد ان هناك نوعين من الأزواج، فمنهم من يفضل امه على  زوجته ويكون معها ان كانت ظالمة أو مظلومة، والآخر يناقضه ويقف الى صف زوجته بغض النظر ان كانت محقة أم لا.

ويضيف: الصواب ليس كذلك، فالابن كي يكون ناجحا في علاقته مع أمه يجب ان يوفي لها حقوقها كما أمره الله عز وجل في القرآن الكريم بألا يقول لها أُفٍ بل يقول لها قولا كريما ويقدم لها الرعاية والاحترام ويقف معها بمرضها ويقدرها وان يكون وفيا بما قدمته الأم من باب بر الوالدين، والزوجة كذلك لها حقوق على زوجها كالرعاية والعطف والاحترام وتلبيه الحاجات سواء المادية او الروحية.

ويؤكد المصري انه على الأزواج ايجاد علاقة متوازنة على أرضية حقوق الأم عليه وواجبات الزوجة عليه، وبالتالي لا تكون علاقة الأم على حساب علاقة الزوجة والعكس مع الأم، مشيرا الى ان إنهاء المشكلة الأزلية بين الحماة والكنة يعود إلى الرجل وشخصيته، بحيث انه بالحكمة والعقل وقوة الشخصية يفرض وجوده على الأم والزوجة.