الرئيسية » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 06 تموز 2015

بعد عام على الحرب ... غزة تندب ضحاياها

رام الله - الحياة الجديدة - ترجمة أمل دويكات - يتزين مكتب سالم أبو الروس مدير مدرسة الدوحة الثانوية للبنين في رفح، بالميداليات والجوائز، ولديه عدد من ألبومات الصور للتلاميذ في نادي كرة القدم والأندية الأخرى.

حوالي 1000 تلميذ يرتادون مدرسة الدوحة يومياً (صباحاً ومساءً)، لذا فإن أبو الروس يجتهد بصعوبة في تذكر أسماء طلبته الذين قتلوا [استشهدوا] في حرب الصيف الماضي.

ويقول أبو الروس أخيراً "أتذكر هيثم عبد الوهاب" باحثاً بين صور الطلبة في محاولة للعثور على صورة الطفل. "لقد كان ولداً طيباً، كان محبوباً بشكل كبير في المدرسة، وقُتل في منزل عمه مع أخيه ووالدته."

أكثر من أي مدرسة أخرى في غزة، ستة تلاميذ من مدرسة الدوحة قتلوا في الحرب. وبالمجمل قتل أكثر من 550 طفلاً فلسطينياً خلال الصراعـ وفقدت المدارس في غزة تلاميذ ومدرسين، وجُرح الآلاف منهم.

صعوبة تذكر مدير مدرسة الدوحة سالم أبو الروس أسماء التلاميذ الموتى [الشهدا]ء مفهومة، نظراً لأن البعض منهم نُقل إلى المدرسة الكبيرة حديثاً.

ولكن هناك سبباً آخر أكثر صعوبة، يقول "كان هناك الكثير من القتلى خلال الحرب الأخيرة." وأصبح من الصعب التعامل مع هذا العدد، وبالتالي فإن النتيجة هي أنه على المستوى المؤسساتي - على الأقل- يبدو كما لو أنه قد تم محو أسماء هؤلاء التلاميذ من ذاكرة المدرسة.

ولكن في بيوتهم، في أحيائهم، وفي قراهم بمنطقة رفح، التي شهدت أعنف الهجمات خلال حرب الـ50 يوماً، لا يزال الكرب على حاله.

أنس معمر كان في السادسة عشرة من عمره عندما قتل في 20 تموز يوليو العام الماضي، يقول والده محمود معمر- وهو موظف سابق لدى وزارة الأوقاف- "كانت الساعة الثانية فجراً، لم ننم هنا، كان الوضع خطيرا جداً، لذلك أقمنا في مكان آخر اعتقدنا أنه أكثر أماناً."

يضيف "كان هناك دوي انفجار قوي جداً، وكان أنس نائماً لكنه استيقظ وتوجه إلى الشرفة لمعرفة ما حدث، وبعد لحظة عاد وشقيقيه إلى الداخل، حينها المنزل ضرب مرة أخرى، وقُتل شقيقاه فورا، وأصيب أنس."

امتلأ وجه محمود بالدموع، متابعاً "أخذناه إلى المستشفى، لكنه توفي ... لقد كان ولداً طيباً، وطالباً جيداً يحب كرة القدم ويشجع منتخب برشلونة، كان متديناً مثل إخوته ... في هذا العام كان من المفترض أن يكون أنس في الصف الثاني عشر، وكنت أريده أن يذهب إلى الجامعة ليصبح معلماً."

لا يزال يبدو أن أصغر سكان غزة سنّاً يحملون أثقل وأكثر العواقب ديمومة بعد حرب الصيف الأخيرة. وأظهر تقرير نشرته منظمة Save the Children بعنوان (كابوس حي: غزة بعد سنة) ان 551 طفلاً فلسطينياً قتلوا، وجُرح 3436، منهم 10% يعانون إعاقة دائمة، بينما قتل طفل إسرائيلي واحد، وجُرح 270.

وحسب التقرير فإن ثلاثة أرباع أطفال غزة يعانون التبول اللاإرادي بشكل منتظم، ويفيد 89% من الآباء أن أطفالهم لديهم متاعب من مشاعر الخوف المستمر، وأن 70% من الأطفال يخشون حرباً أخرى، وأن 7 من 10 أطفال تمت مقابلتهم يعانون كوابيس بشكل منتظم.

وما يبدو واضحاً أكثر أن فقدان الفتية المراهقين الأكبر قليلاً في السن - كالتلاميذ الستة من مدرسة الدوحة- له تأثير واضح على أشقائهم الصغار وكذلك على الآباء والأمهات، ويتضاعف الشعور العميق بالموت واليأس في غزة، حيث الوعود بإعادة الإعمار بالكاد تمضي، وحيث يقول الفلسطينيون أن  التوقعات أكثر قتامة مما كانت عليه في أي وقت مضى في الذاكرة الحديثة.

ترفرف راية خضراء فوق التجمع الذي تسكن فيه الأسرة، حيث توفي محمد البحابصة 17 عاماً قبالة ممر رملي في حي السلام برفح. وهناك شك في أن البيت المدمر وخمسة بيوت أخرى للعائلة كانت هي الهدف المقصود لإسرائيل.

كغيرهم العديد من الذين يعيشون في المناطق الأكثر تضرراً، لا تزال عائلة البحابصة تعيش بجوار الأنقاض حيث قتل أبناؤها. أصيب البيت الرئيسي بغارة جوية خلّفت حفرة لا تزال واضحة في ساحة ترابيّة، وبعد ذلك بقليل أحيلت البيوت الأصغر التي تعود إلى العائلة إلى أنقاض إثر مجموعة ثانية من الضربات التي يعتقد أنها من مدفعية.

يتذكر شعيب البحابصة (52 عاماً) والد الشهيد محمد البحابصة ذاك اليوم: "حدث ذلك في الساعة الثالثة فجراً، يوم 2 آب أغسطس" ويضيف "كان وحده نائما في ديوان واحد من البيوت [الخمسة] خلف هذا البيت عندما ضربت F-16 البيت بقنبلة في البداية، وبعدها سقطت ثلاثة قذائف مدفعية على المنازل الخمسة في الخلف."

ويعقّب الأب "تقطع محمد إلى أشلاء، واستشهد خمسة من أبناء أعمامه في الحادث نفسه".

تماماً مثل أنس، كان شعيب يريد أن يذهب محمد إلى الجامعة ويدرس الحقوق "مدير مدرسته ومعلموه حضروا لتقديم التعازي، ولا يزال أصدقاؤه يأتون لزيارتنا، كان ابني الثاني لكنه كان محرك الأسرة، كان يحب المزاح، ويحب المساعدة في الوقت نفسه، وإذا كنتُ بحاجة لأي شيء يكون هو من يذهب لإحضاره من الخارج."

عبد الله قشطة (17 عاماً) هو الآخر من تلاميذ مدرسة الدوحة، قتل في اليوم نفسه بينما كان عائداً من عمله الصيفي الذي عثر عليه في مزرعة للحيوانات.

يقول نعيم والد عبد الله "عندما بدأت الحرب، استمر في عمله ... انتقلنا إلى بيت أحد أقارب زوجتي عندما بدأ الغزو البري على غزة، في 2 آب أغسطس اتصل به صاحب المزرعة وسـأله إذا كان بإمكانه الذهاب لإطعام الحيوانات، قائلا إن الوضع بالقرب من المزرعة على ما يرام، لكنه لم يكن كذلك، وعندما وصل هناك كان الإسرائيليون بالقرب من المكان، لذلك طلب صاحب المزرعة منه البقاء والنوم هناك."

يتابع الأب "قال إنه يريد العودة إلى البيت، ليأخذ بعض الملابس ويستحم، وكان يتصل بنا كل 10 دقائق، ثم توقفت المكالمات، لقد كان يمشي عائداً مع عامل آخر في المزرعة عندما ضُرب بصاروخ من طائرة دون طيار قرب المنزل."

عودة إلى المدرسة، المغلقة حاليا بسبب العطلة الصيفية، يصف سالم أبو الروس ما حدث في أعقاب فقدان الكثير من تلاميذه "في البداية أرسلت وزارة التعليم الناس لدعم المدرسة، وكان لدينا العديد من برامج الصحة النفسية، مع المسرحيات والأفلام والأنشطة التي تدعمها منظمة اليونيسف. وكان لدينا فريق كرة القدم الذي سمي على أسماء الشهداء ولا يزال زملاؤهم يتحدثون عنهم.

يقول أبو الروس "لم تخبرنا وزارة التعليم أن مدرستنا فقدت العدد الأكبر من التلاميذ في مدارس غزة، وليس لدي أي تفسير لماذا عانينا الأسوأ في ذلك، ولكن الحرب كانت في الصيف خلال العطلة الصيفية حيث الأولاد مع أسرهم في البيوت، وهذا ما أدى إلى فقدان عدد أكبر من الأطفال."

حسن زيادة أخصائي علم نفس اجتماعي في غزة يعتقد أن الأطفال والشباب كانوا المجموعتين الأكثر تضرراً من الحرب الأخيرة، وبشكل أوسع من الحصار والصراع، وهذا يعني أن الأطفال فوق تسع سنوات قد عايشوا ثلاث حروب وحصارا اقتصاديا مستمرا.

ويضيف زيادة "المشكلات التي يمكنك أن تتوقعها لدى الأطفال: فرط اليقظة، الكوابيس، مشكلات الإدراك، شكوى المعلمين من هبوط مستوى الأداء في الفصول الدراسية، وفي التعامل بينهم يصبحون أكثر عدوانية لفظياً وجسدياً... المعيار هو مشاعر اليأس والعجر هنا في غزة، إنها تؤثر في الدافع وتحبط المشاعر."

مرة أخرى في رفح، سليمان لولحي وهو مزارع بدوي فقد ابنه بلال (17 عاماً) من تلاميذ مدرسة الدوحة في 2 آب أغسطس، يعكس حجم الاستسلام للقضاء والقدر في غزة.

سليمان سمى مولوده الجديد على اسم أخيه الذي لم يعرفه، والذي قتل بصاروخ أثناء عودته من بيت أحد الأقارب حيث كان يُطعم الحمَام لهم.

يقول لولحي "عندما أنظر إلى أطفالي الآخرين، أتساءل ما الذي يمكن أن يشجعهم على الذهاب إلى المدرسة وتحسين مستواهم والمضي قدماً، عندما يكون هناك حرب جديدة في غضون سنوات قليلة، عندها سأشعر بخطر فقدانهم مرة أخرى."
----------------------
عن صحيفة "الغارديان"