عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 04 تموز 2015

سيدة الفيروز

عدلي صادق

لو أن هؤلاء الدواعش، ظهروا في سيناء في العام 1700 قبل الميلاد، ومروا على قرية "سرابيط الخادم" بجوار "أبو زنيمة" في الجنوب الغربي؛ لكان الإنسان المصري هناك، قد تشاءم من سحناتهم وأحس بقرب خراب الديار وبدء سياقات التوحش اللاإنساني. ففي ذلك المكان، مثلما كان في مواضع الآثار الباقية، وعلائم الطرق الفرعونية، وفي الدروب التي سلكها الحجيج إلى دير سانت كاترين؛ تأسست قبل نحو أربعة آلاف سنة، حياة زاخرة بالعمل، ظللتها روح الوئام الذي لم ينقطع له سياق، منذ أن كانت الناس تتحدث اللغتين الكنعانية والهيروغلوفية، ثم الآرامية، ثم عربية النبط عميقي البداوة!

هناك، وفوق تل عالٍ، وفي صفاء نفسي مواتٍ، يلامس عملية إنتاج دؤوب؛ ابتدعت المخيلة المترفة آلهتها المعبودة وسمتها "حتحور" وأقامت لها معبداً. وقتها، إن سألهم خامل متخلف أو قاطع طريق أو قاتل، عن آلهتهم "حتحور" هذه؛ يجيبون: إنها سيّدة الفيروز، وحارسة أرضها، ثم إنها آلهة السعادة والأمومة، والسماء والحب، والجمال والموسيقا والخصوبة. هي آلهة كل شيء نبيل!

لكوننا موحدين بالله، يجدر بنا إرجاع أمر الفاضلة "حتحور" سيدة الفيروز، الى ذمة الوجدان الشعبي، الذي كان ينبض آنذاك، في سيناء. وأقول على ذمتي إن أولئك الوثنيين الذين يُعدون عابدي أصنام، كانوا أعمق إيماناً وأتقى بكثير من دواعش اليوم، ليس لأنهم لم يُبلغوا برسالة سماوية وحسب؛ وإنما لكونهم بالمعيار الحضاري لم يغرقوا في جاهلية أو في ظلام، ولم يسفكوا دماً ولم يزهقوا روحاً. عرفوا التعدين وانتجوا الحجارة الكريمة، واقتنصوا الفيروز الأزرق من شدق الفوسفات، وأقاموا العمائر ورسخوا تقاليد إدارية عزّت على أنظمة سياسية معاصرة ومترهلة، وأحبوا الموسيقى. أما بالمعيار الأخلاقي والإنساني، فقد أكدوا في ذروة مجدهم، على أهمية الجمال والأمومة والسعادة والتواضع، فعجنوا وخبزوا كل المعاني القيمية الرفيعة، وأنتجوا منها آلهة لم يأكلوها، مثلما يأكل الدواعش معاني التقوى ويقصون أعمار الناس، من دينهم ومن أبناء جلدتهم، ومن غير دينهم وأبناء جلدتهم. فقد شاد الوثنيون لسيدة الفيروز، حارسة الصفاء والمثابرة والتقوى، معبدها المنيف، طامحين الى حمل رسالة الحب الخالدة. كان ذلك قبل عشرين قرناً من ظهور المسيح عليه السلام مبشراً بالمحبة، وستة قرون بعدها، عندما جاءت رسالة محمد صلوات الله وسلامه عليه، مبشراً بالتسامح وبعصمة الناس في دمهم وأرزاقهم!

بدأ المعبد بكهفٍ منحوت في الصخر، ثم استطال عندما ضُمت اليه حجرة نُقشت على جدرانها الابتهالات ومعاني العشق الرهيف. ومع زيادة العمل في المناجم، اتسعت المساحة المخصصة للعبادة والإقامة: بهو محمول على الأعمدة، وهيكل للتطهر، فيه صنبور ماء، لاغتسال الزائرين قبل أن تطأ أقدامهم المكان، ثم القاعات تلو القاعات، والحجرات تلو الحجرات!

كان الفرعون، على مر الحقب والأُسر، يجثو عند أقدام طيفها في "سرابيط الخادم" تلطياً بما تمثله من معانٍ، ويبرهن على ولائه لسيدة الفيروز، من خلال وقفٍ لها، في إهاب بناء جديد، أو قاعة، أو صالة أو نقش بديع، فيما عيناه، وهو من يحكم ويملك، على المناجم واللآلئ!

في هذه العجالة، لا ننسى أن سيناء، أرض الفيروز هذه، تلاقحت فيها اللغتان الكنعانية والمصرية القديمة (الهيروغليفية) وتطورت أبجديتهما، على نحو ما برهنت عليه "النقوش السينائية" التي اكتشفها عالم الآثار المصرية الأيرلندي فليندرز بيتري وزوجته هيلدا، في شتاء سيناوي بارد (1904). فعلى مر التاريخ، تلاحم المصريون والفلسطينيون، في العبادة أياً كانت الديانة، وفي الحرب أياً كان الأعداء، وفي الفرح أياً كانت أسبابه، وفي الحزن أياً كانت دواعيه. من يقل غير ذلك، هو شقيق الهمجي الذي يهجم اليوم، وهو الذي كان سيتقزز منه عابدو سيدة الفيروز قبل أربعة آلاف سنة!