عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 02 تموز 2015

فيلم In Time في باص جنين!

رحمة حجة

تدور أحداث فيلم الخيال العلمي الأميركي "In Time" في عام 2169، حيث يتوقف نمو الجسد لدى الناس عند سن 25 عامًا، أي أنهم لا يشيخون. لكن عُمرهم يصبح رهن المقايضة، فيعيش الفقير منهم يومًا بيوم وساعة بساعة، والغني مئات الأعوام.

ببساطة، الإنسان في هذا الزمن يعمل يومًا طويلًا ليكسب منه بضع ساعات، وحين يحتاج خدمة من اتصال أو ركوب الحافلة مثلًا، عليه أن يدفع من تلك الساعات (عُمره) مقابل ذلك، وهكذا... كلّ ساعة مكسب لعمر أطول، وخسارتها اقتراب من الموت. حتى إنك إذا شاهدت الفيلم ستتذكر/ين تلقائيًا عبارة "بتلعب في عداد عُمرك" التي يتم تداولها بنبرةٍ تهديدية بين الناس، بينما في عام 2169 هي أسلوب حياة.

وكون الفيلم "خيالًا علميًا" لا يعني نَفيهُ عن الواقع. نحن بالفعل ندفع يوميًا من أعمارنا لكسب شيء في المقابل، ويستمرّ الدوران في حلقات داخل سوق الحياة المفتوحة لأيّ شيء.

وفي باص جنين- رام الله، دفعتُ إلى جانب العشرات عمرًا قدره ثلاث ساعات، كي نصل إلى أهدافنا، ربما بتكلفة أقل (19 شيقلًا للراكب)، مقارنة بـ 35 شيقلًا ندفعها لمركبة "شاتل" لنكسب نصف الوقت. لكن هل يمنح هذا الحق للباص الذي يستوعب 50 راكبًا بإطالة الطريق وتمديد الوقت للناس الذين اختاروه وسيلة أرخص لقضاء حاجاتهم؟

أخرج بخُلاصة "من يملك المال يملك الوقت"، فمن أراد التوفير على نفسه وركوب وسيلة النقل الأقل تكلفة، يجب أن يخسر وقتًا أكثر، وكأننا ندفع ضريبة مقابل العثور على خيارات أفضل!

الباص الذي اعتدناه يمرّ عبر قرى محافظة جنين إلى رام الله مباشرة، كان يتوقف كلمّا وجد راكبًا من تلك القرى، نتقبّلُ ذلك ونتفهمّه، لكن أن يمرّ الباص من وسط مدينة نابلس ويتوقف مرات عدة من أجل ركابها فهذا لا يدخلُ سوى منطق الاستهتار البحت، علمًا أن موقف باصات نابلس يضم باصات تتجه إلى رام الله يوميًا بعدد ووقت أكبر من جنين.

في المقابل، لا يرفع أيٌ منّا نحن الركاب صوته للسائق "ماذا دهاك؟" أو "لقد تأخرنا.." أو "ضيّعت وقتنا"؛ فمثله مثل أشياء كثيرة أخرى "غير مهم". والمواصلات ليست مصرف ضياعه الوحيد في البلاد.

ثلاث ساعات من مركز مدينة جنين إلى مركز مدينة رام الله، أنظر بين الفينة والأخرى إلى من حولي، لأراهم سابحين سارحين إما عبر نوافذ الباص، أو في سقفه أو في وجوه الركاب الجدد.. أتخيّل كمّ الأفكار الهائل والاستطراد الجاحظي في أذهانهم، والضجيج الذي يعتري الأدمغة والقلوب، كما يحدثُ معي تمامًا إذا أسقطتُ يومًا الكتابَ من يدي.

ينتهي "In Time" باستيلاء متمردّين على بنوك الوقت، ومنحه للناس بلا مقابل، أولئك الذين يجدون الفرصة لدخول مدينة الطبقة المالكة (للوقت)، دون حواجز أو ضرائب إضافية، وأمام هذا الخلل في أسلوب الحياة، يعبّر صوتٌ آلي لأحد المالكين عن الوضع بالقول "كثير من الوقت في أيدٍ لا تستحقه (wrong hands) سيسحق السوق"، فرؤوس الأموال هم فقط يستطيعون إحكامَه بينما العامّة ستضيّعه إن مَلَكَته!