عاجل

الرئيسية » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 05 تشرين الأول 2022

العروضات لا تطفئ لهيب الأسعار

رام الله- الحياة الجديدة- ميساء بشارات- ارتفعت الأسعار بحدة منذ نهاية الحجر الصحي عالميا بسبب جائحة "كورونا" واندلاع الحرب في أوكرانيا، وأثر ذلك بشكل كبير على الأسعار في فلسطين باعتبارها تستورد السلع الأساسية مثل الطحين وزيت دوار الشمس وغيره من الخارج.
هذا كله، أدى لتخبط في الأسعار بشكل كبير في السوق الفلسطينية، بين استغلال بعض التجار في احتكار منتجات أساسية للتحكم بسعرها، وعدم قدرة وزارة الاقتصاد على السيطرة على الأسعار رغم إعلانها مؤخرا وأكثر من مرة انخفاض الأسعار في السوق، إلا أن التجاوب ليس كما ينبغي أن يكون.
مواطنون يشتكون من قوائم الأسعار التي وصفها بعضهم بـ"الخيالية" التي لم تنخفض إلا ببعض البنسات، رغم انخفاضها عالميا كما تشير التقارير العالمية، ونشر قائمة بالأسعار الاسترشادية من قبل وزارة الاقتصاد.
صندوق النقد الدولي كان أعلن في منتصف أيلول الماضي توقعاته أن يصل التضخم إلى 8,3% هذا العام في مختلف أنحاء العالم.
عدد كبير من التجار وأصحاب السوبرماركت لم يلتزموا بالأسعار الجديدة للمستهلك، واحتفظوا بالأسعار القديمة، من خلال احتكار سلع وطرحها وإخفائها من السوق كما يحلو لهم.
يقول المواطن آدم عليان لـ "الحياة الجديدة": "لم يتغير شيء على الأسعار على أرض الواقع وخاصة الخبز والزيت والطحين وغيرها من السلع، لا أحد يستجيب لأسعار وزارة الاقتصاد وعليهم عمل جولات ميدانية على البقالات والسوبرماركت ليعرفوا الأسعار الحقيقية للبضائع، والاستغلال من قبل التجار".
وكانت وزارة الاقتصاد أعلنت في شهر أيلول الماضي خفض أسعار الطحين وزيت دوار الشمس بنسب تتراوح بين 7 و15%، بعد تراجع أسعارها في الأسواق العالمية. 
ولم يطل الخفض أسعار المواد المصنعة من الطحين، خصوصا الخبز الذي بقي سعره عند 4,5 شواقل للكيلو، فيما عزا وزير الاقتصاد خالد العسيلي ذلك إلى استمرار الارتفاع في أسعار مدخلات أخرى كالطاقة والسكر.
وكان العسيلي، قال في تصريحات سابقة إن هناك تجاوبا واسعا من التجار لقرار خفض أسعار الطحين وزيت دوار الشمس، متوقعا حينها انخفاض أسعار المزيد من السلع الأساسية خلال الفترة المقبلة.
وعزا وزير الاقتصاد انخفاض أسعار الطحين وزيت دوار الشمس إلى انخفاضها عالميا وتراجع تكاليف الشحن، بعد الاتفاق بين روسيا وأوكرانيا على آلية لتصدير الحبوب برعاية الأمم المتحدة وتركيا، والذي وقع في إسطنبول بتاريخ 22 تموز/يوليو الماضي.
المواطنة أم هيثم من رام الله، تقول: "إن المواطن يستغل كثيرا، فعند الحديث عن ارتفاع الأسعار يرفع التجار السعر مباشرة بينما، عند الحديث عن الانخفاض فهم لا يخفضون إلا الشيء البسيط".
وتضيف بمرارة: "المواطن غير قادر على تلبية احتياجات بيته الأساسية مع هذا الغلاء الفاحش وغير المبرر، والرواتب لا يكفي، والأصل أن تكون الأسعار واضحة للمستهلك، وعند الانخفاض يجب أن نلمس ذلك فعليا وليس إعلاميا فقط، وكأننا نعيش بدولة أخرى".
وعملت "الحياة الجديدة" جولة على بعض المحال التجارية والسوبرماركت في مدينتي رام الله والبيرة، للاطلاع على الأسعار ومدى التزام أصحاب البقالات الكبيرة والصغيرة بها، لتجد أن هناك تفاوتا بأسعار السلع حتى بتلك التي حددتها وزارة الاقتصاد؛ زيت عباد الشمس والطحين، رغم ما صرح به وزير الاقتصاد آنفا.
يقول صاحب سوبرماركت في مدينة البيرة فضل عدم الكشف عن اسمه، ان تجار الجملة هم من يوزعون البضاعة ويبيعونها بأسعار مرتفعة، وبالتالي نحن نبيعها للمستهلك بسعر مرتفع لأننا نشتريها أيضا بسعر مرتفع، وطبيعي أن نحقق هامش ربح.
ويضيف: "وزارة الاقتصاد لا تراقب التجار الكبار والموردين الذين يجلبون البضائع، ولا تلزمهم بقوة على تسعيرة معينة، لذلك لا يجب أن تظلموا صاحب السوبرماركت، رغم أننا حاليا نخفض من السعر حتى نرضي المستهلك ولا نخسر الزبون، لكن هذا على حساب أرباحنا، خاصة بوجود التزامات دفع فواتير كهرباء وماء وإيجار للعقار".
وزارة الاقتصاد أعلنت سابقا إحالتها 8 تجار إلى النيابة العامة لعدم التزامهم بالسقف السعري المحدد بعد بيعهم زيت دوار الشمس (5 لتر) بأكثر من 40 شيقلا وهو السعر الذي حددته الوزارة، بعد انخفاضه عالميا.
من جانبه، يقول مدير الرقابة والتفتيش في دائرة حماية المستهلك في وزارة الاقتصاد الوطني محمد الطروة: "نقوم بتعميم الأسعار الاسترشادية على وسائل الاعلام والتجار عند تثبيتها وقبل المحاسبة عليها، وبعد ذلك نحرر المخالفات لكل من يقوم بمخالفتها، وتحويله للنيابة ثم القضاء".
ويشير إلى أن الأسعار الاسترشادية يشارك في وضعها التجار والقطاع الخاص، أي تكون مناسبة للتاجر والبائع والمستهلك.
ويوضح أنه بالسوق هناك من التجار الملتزمين ومنهم المخالفون، وتقوم الوزارة بعمل جولات ميدانية للتأكد من ضبط الأسعار.
بدوره، يؤكد المحلل الاقتصادي الدكتور نصر عبد الكريم، أن هناك انخفاضا طرأ على السلع التي ارتفعت بقوة خلال بداية الحرب الأوكرانية الروسية وجائحة كورونا، بالذات الحبوب والزيوت وحتى النفط الذي سجل انخفاضا، وبالتالي من المفترض والمتوقع انعكاس هذا الانخفاض العالمي على مستويات الأسعار في كل العالم، لأن الجميع يستورد.
وينوه إلى أن كل دولة لها خصوصية من حيث من يريد أن يستفيد من الفرصة، والشحن، والتأمين وحاجة السوق والتنافسية فيه، وبعض الأسواق ينعكس فيها الانخفاض بشكل أسرع من غيرها، والحالة الفلسطينية معقدة قليلا. 
فعند حين صدور الإشاعات بالارتفاع على الأسعار، يجد بعض المستوردين فرصة في الرفع حتى لو كانت لديهم بضاعة مسبقا، وتوجد مرونة كبيرة للارتفاع في الأسعار، بينما لا توجد مرونة لانخفاضها، وهذا يعود إلى أن الكفاءة التسعيرية في السوق ليست عالية، إضافة إلى المظاهر الاحتكارية وصعوبة الرقابة على الأسواق، وغياب وضعف ثقافة الاستهلاك.
ويوضح أن كل هذه العوامل تجعل مرونة السعر تجاه الانخفاض قليلة جدا، متطرقا إلى "نظرية تماثل المعلومات" التي تحكم التغير في الأسعار للوصول إلى سعر يرضي الطرفين، بحيث كلما كانت المعلومات متاحة وسريعة الوصول وكان الناس على معرفة بها، من حيث السعر والتكلفة وقيمة السلعة وما يجري في العالم للطرفين المستورد والمستهلك، كل ما كان هناك تغير في السعر يعكس ما يجري عليها من تغير في الأسواق العالمية، لكن إذا كانت المعلومة غائبة عن المواطن أو صعب الحصول عليها مع ضعف أدوات الرقابة المحلية وعدم وجود تنافسية على بعض السلع يجعل التاجر يستفيد من الفرصة.
ويضيف: "بعض التجار يخدعون المواطن بقولهم إن سعر الدولار ارتفع أو الشحن ارتفع وغيره، وهذه القضايا لا يعلمها المواطن وليس على اطلاع دائم بها، ويجب على وزارة الاقتصاد حماية المستهلك ومحاسبتهم".
ويشير إلى أنه في الحالة الفلسطينية الامور السابقة غير واضحة وضعيفة ولذلك ترتفع الأسعار بقوة، وتنخفض ببطء هذا ان حصل انخفاض".
ويلقي اللوم على بعض المستهلكين الذين لا يشكون ولا يراقبون أسعار السلع وكلفتها، خاصة أن المستهلك الفلسطيني يعتبر أنه لا يوجد الوقت ليقدم شكوى رسمية ويتابعها على سلعة لم تنخفض من قبل التجار رغم انخفاضها، إضافة إلى ذلك عدم فرض عقوبات صارمة على المخالفين، حتى يشعر المخالف أن تجاوز سعر التكلفة أعلى من المنفعة نفسها التي من الممكن الاستفادة منها، مع وجوب رقابة عالية وتنافسية.
ويؤكد أن التجار الذين يستوردون السلعة تكون بياناتهم الجمركية واضحة لدى وزارة الاقتصاد، وتبين الكلفة بشكل أساسي، وعلى أساسها يجب وضع السعر الاسترشادي، ويجب التركيز على التاجر الكبير وتجار الجملة وليس الصغير، لأن الأخير يمكن ألا يستفيد لأنه يخضع لتسعيرة التكلفة التي يشتري فيها من التاجر الكبير.