عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 15 آب 2022

صفقة حماس الأخطر مع إسرائيل

باسم برهوم

لم تعد ادعاءات حماس بالمقاومة تنطلي على أحد فقد أثبتت الحرب الأخيرة على قطاع غزة أن التنسيق الأمني والاتفاقات السرية بين حماس وإسرائيل تجري على قدم وساق، مباشرة أو عبر حلفاء التنظيم الإخواني الإقليميين. ومن تابع مفردات ولغة حماس خلال الحرب وبعدها فقد تحولت إلى مفردات سلطوية، مفردات حكام وليس مقاومين، فقد أصبحت حماس فجأة تغلب مصالح الناس المعيشية وأمنهم واستقرارهم، وتتعاون مع إسرائيل وتطبع معها من أجل تحسين شروط حياتهم في قطاع غزة، فهل كان هذا هو هدف المقاومة؟ إذا كان الأمر كذلك فعلينا أن نقول لحماس إن الوضع في قطاع غزة قبل انقلابكم عام 2007، كان أفضل، فالسؤال لماذا كانت كل هذه الحروب والدمار؟

ودعونا نتذكر معا كيف كانت حماس تهاجم السلطة الوطنية الفلسطينية، لكونها تتصرف بمسؤولية تجاه شعبها، وتحاول موازنة حياة الناس اليومية ومصالحهم الحياتية، وبين ممارسة المقاومة الشعبية السلمية، وتهيئة ظروف أفضل للصمود على الأرض، ولكن الفرق أن السلطة الوطنية تقوم بذلك علنا ووفق اتفاقيات وقعت أمام أعين كل البشر، في حين حماس تبرم الاتفاقات بالسر ومن تحت الطاولة مع دولة الاحتلال. وقد ثبت ما كان معروفا للكثيرين أن هدف حماس من "المقاومة" هو الحصول على اعتراف إسرائيل بها ومن خلفها الولايات المتحدة الأميركية، ومن ثم تطرح نفسها باعتبارها الطرف الموثوق به والقادر على ضبط الأمن لإسرائيل إن تم اعتمادها.

مفردات حماس ولغتها السياسية الجديدة، تعبر عن أنها قد أبرمت بالفعل صفقة مع إسرائيل مباشرة أو بواسطة طرف إقليمي تثق به إسرائيل وأميركا لتكون السلطة الحاكمة في غزة مقابل تحسين شروط الحياة وفتح المعابر للبضائع والأفراد. أما من جانب إسرائيل فهي لا ترى في كل ما تقدم سوى انه يؤبد الانقسام الفلسطيني، ويكون لإسرائيل اليد العليا في كل تفاصيل الحياة.

نتائج صفقة حماس خطيرة على القضية الوطنية، والمشكلة أن هذا التنظيم الاخواني الباطني، يسوق صفقته وكأنها إنجاز وطني، في حين أنها إنجاز له وحده، فكما كان هم جماعة الاخوان الحصول على الاعتراف الأميركي بها، وأن يتم اختيارها الوكيل الأهم لضمان المصالح الأميركية في المنطقة العربية والإسلامية، فإن هم حماس هو أن تنال اعتراف إسرائيل بها كوكيل معتمد وهي اليوم تقترب من الحصول على مبتغاها، ومن الآن وحتى يصبح التعاون كاملا فإن على حماس تقديم المزيد من التنازلات على حساب القضية الفلسطينية. وربما يفوت الكثيرين أن الحركة الإسلامية الجنوبية بزعامة منصور عباس، وهي ذراع جماعة الاخوان في الائتلاف الحكومي الإسرائيلي، وربما هم أيضا قد قاموا بدور  في  ترتيب الصفقة بين حماس والحكومة الإسرائيلية.

ودعونا نراجع تاريخ الاشتباك بين حماس وإسرائيل، وربما من الصائب أن نطلق عليها "حروب حماس". لم يطرح هذا التنظيم الاخواني هدفا وطنيا واحدا في أي من حروبه، كل ما كانت تسعى إليه حماس هو أن تصبح طرفا تعترف به إسرائيل وتفاوضه وتبرم معه الاتفاقيات. أما التنسيق الأمني فهو ليس وليد اللحظة، فلطالما كانت قوة حرس الحدود التابعة لحماس تقوم بضبط وتأمين الحدود مع إسرائيل، فمسيرات "العودة" لم تكن إلا محاولات من حماس لإرسال رسائل إلى إسرائيل بأنها هي فقط القادرة على ضبط الحدود متى تم التعامل معها.

وخلال الحرب الأخيرة لم تنأ حماس بنفسها عن الحرب وحسب، بل كانت طرفا يمارس الضغط على حركة الجهاد الإسلامي وباقي الفصائل الفلسطينية كي لا تصعد ويتم إبرام  هدنة سريعة تظهر من خلالها حماس أنها تقوم بدور إيجابي ومسؤول، وهو الدور الذي أشادت به كل من تل أبيب وواشنطن. وفي اعتقاد حماس أن الوقت قد حان لقطف ثمار حروبها غير الوطنية، لتقدم نفسها الطرف الذي يتحمل المسؤولية وأنها قادرة على احتواء أي تصعيد، بل إنها هي، كتنظيم حديدي، وحدها القادرة على فرض السيطرة وضبط الأمن.

وفي مقال سابق كنت قد أشرت إلى أن حماس منذ تأسيسها قدمت نفسها كبديل لمنظمة التحرير، فهي بهذا المعنى ظاهرة انشقاقية نفسها كمشروع قادت الساحة الفلسطينية في النهاية إلى الانقسام الأخطر في تاريخ الشعب الفلسطيني، وتم خلاله فصل قطاع غزة سياسيا عن الضفة، وإيجاد مركزين للقرار الفلسطيني وهو ما يضعف الموقف الوطني. واليوم تستكمل حماس هذا الانفصال عبر صفقة مكتملة الأركان مع إسرائيل، ومن يتابع التصريحات والإعلام الإسرائيلي، يلاحظ ببساطة عناصر الصفقة، التي يمكن اختصارها بمعادلة الأمن مقابل سلام اقتصادي، وربما من المفيد أن نتذكر موقف حماس من صفقة القرن فهي لم تكن معنية كثيرا بالصفقة ومخاطرها، ولم تكن شريكا بالتحركات الشعبية على الأرض بغرض إفشالها، وهي الصفقة التي تسوق بالأساس فكرة السلام الاقتصادي، ويمكن أن نتذكر معا كيف كانت حماس تتعامل مع مسألة التطبيع بشكل انتقائي وبوجهين، فهي على سبيل المثال، صمتت عنه بل ودعمته عندما كانت حكومة جماعة الاخوان تحكم في المغرب، فجميعنا يذكر الزيارة الرسمية لإسماعيل هنية على رأس وفد حمساوي كبير إلى الرباط والاحتفالية في المغرب في وقت كان التطبيع يتم على أشده، فالتطبيع، بالنسبة لحماس مقبول عندما يقومون به هم وجماعة الإخوان، ولم نسمع اعتراضا من حماس على دخول الحركة الإسلامية الجنوبية الائتلاف الحكومي في إسرائيل، فهذا أمر مقبول ما دامت جماعة الاخوان تقوم به ولو على حساب القضية الفلسطينية، مع استمرار غول الاستيطان وخطر التهديد.

على أية حال مشروع حماس التطبيعي مع إسرائيل، هو مقدمة لمشروع أكبر يتم لخدمة أهداف جماعة الاخوان، فهدف هذه الأخيرة أن يتم التعامل معها على أنها الأقدر على السيطرة على الشعوب ومنع تمردها ضد الهيمنة الاستعمارية.

لقد كانت حماس بارعة، في إخفاء مشروعها الاخواني وتصرفت كالحرباء، مستغلة فلسطين والقضية الفلسطينية والدم الفلسطيني والمعاناة الشعبية اليومية، واستغلت شعار المقاومة، لا لتحقيق أهداف وطنية فلسطينية بل لتحقيق مصالحها ومصالح الجماعة وحلفائهم الإقليميين. ما جرى ليس إنجازا وطنيا، إنه مشروع "دولة حماس" في غزة وجعل الانفصال واقعا يصعب التغلب عليه.