عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 07 آب 2022

الخزنة.. وأقفالها!

تغريدة الصباح- حسن حميد

لطالما فُتِنَت روحي وابتهجت بالنصوص الأدبية التي تشبه غابة أو غديراً أو تحليقاً لرفوف القطا أو اجتماعاً لطيور الكراكي أو مدناً تعيش  طوال عمرها وهي توقد أضواءها كرمى لنعمة الإبصار لتصير، ذلك لأنّ النصوص الأدبية البعيدة عن الطبيعة والناس ليست نصوصاً، بل هي لصاقات فحسب، ما إن  يجفّ صمغها حتى تزول.

من هذه الروايات التي ملأت قلبي بالحميمية والمسرّة رواية الروائي الفلسطيني عصمت منصور، وعنوانها (الخزنة)، ولأنّ الرواية المأنوسة بحجمها الصغير، وحيواتها الحاشدة قادمة من البلاد الفلسطينية العزيزة، فقد حرصت على اقتنائها، وقلت لـ عصمت منصور: الرواية يا عم عصمت! فعرف تحذيري كي لا ينساها!

كنتُ متلهّفاً لقراءتها مطبوعة بعدما قرأتها مخطوطة! كان عصمت منصور قد أرسلها إليّ، فقرأتها وفرحت بها لأسباب كثيرة، منها أنّ عصمت منصور رجل حقيقي من دم ولحم وبطولة، فهو أحد الأسرى الذين عاشوا طي (خزنة) العدو الإسرائيلي سنوات الظلمة والصبر والعسف والصمود، لأنّ خزنات الإسرائيليين، أي سجونهم، هي مستعمرات للعقاب اليومي، ليل نهار، من أجل الهبوط بالكائن البشري من عالم الأنوار والنبل إلى عالم العتمة والتوحّش الصفيق، وقد تحرّر عصمت منصور من تلك (الخزنات) المغلقة على ممارساتها القبيحة بعد أن  تنقّل بينها طويلاً، ولم يكتب روايته عن الحياة التي عاشها في المعتقلات الإسرائيلية إلا عندما أشرقت سطورها في قلبه برقاً كاد يصير شمساً لولا الحياء، بدأ الكتابة يوم خرج أبطال سجن جلبوع، وهذا السجن هو (خزنة) إسرائيلية مغلقة بألف مفتاح وسرّ، كان حدث خروجهم المدوي بنبله وشجاعته وآثاره الوطنية يشبه ما عاشه عصمت منصور داخل أحد المعتقلات التي قضى فيها ورفاقه سنوات من أعمارهم التي رحت تخصّب أحلامها كلّما اشتدّ ظلموت الإسرائيلي وطغى.

في الرواية (الخزنة) مكانان، أحدهما خارجي هو رام الله، مكان آسر تلتفت إليه العيون والرقاب والأحلام وتساهره المشاعر، وتدقّ له القلوب، وتناديه المهج بعلو الصوت، وثانيهما داخلي هو السجن أو (الخزنة)، كما سمّاها الإسرائيليون للمباهاة بتحصينه وأقفاله العصية.

المكانان يتناددان في ثنائيات تشبه مناددات النباتات والأشواك، والقحط والخصب، والحب والكراهية، والفرح والحزن، ولهذا يبقى المكان الأول (رام الله) مكاناً لفجريات جديدة، وأحلام طوال، مكاناً قابلاً للمضايفة والخصوبة، ويبقى المكان الثاني المعتقل (الخزنة) مكاناً للعطب والذبول والموات من جهة ومكاناً لصوغ الأحلام كيما تصير وقائع للجسارة ترويها الألسن، وأحلاماً تدق لها القلوب من جهة أخرى.

وفي الرواية (الخزنة) شخوص قليلة، ولكنها هي التي تقيم عمارة السرد عبر الراوي العليم ورفاقه (سامر، وسفيان، وعادل، والمحامية سهام، والعشيقة دارين، والعجوز مريم)، وما يقابلها من شخوص معمّاة أسماؤها، معمّاة ملامحها تمثّل شخوص السجّان داخل المعتقل.

تقف أنساق السرد تلبّثاً عند كل شخصية لنعرفها، فتحيط بها الأخبار والأحداث على اختلاف أزمنتها لتكشف لنا حياتها، وما تفكّر به داخل المعتقل، وما تعيش لأجله من أحلام، فلا نغادر هذه الشخوص ولا هي تغادرنا إلا بعد أن نعقد وإياها صداقة وازنة شوقاً إليها مرّة، وخوفاً عليها مرّة، وأملاً في ملاقاتها مرّة أخرى. شخوص تمشي للحياة من أجل إسقاط التشوّهات التي لحقت بالحياة نفسها، ومن هذه التشوّهات الاحتلال وطيوفه السود، وبالمقابل لا نغادر الشخوص التي يمثّلها السجّانون إلا وقد غدت الكراهية لهم جبلاً لأنّهم عاشوا حياتهم من أجل الظلم والعتمة!

والرواية (الخزنة) سيرة لكائنات ضوئية رمتها الأقدار في ظلمة المعتقلات، فأرادت محوها والافتكاك من أشراكها، فهي تروي، وبجمل رشيقة راكضة، أحداثاً كثيرة، ومنها الإعداد لحفر نفق بأدوات بسيطة (ملاعق مسنونة، ومسامير صغيرة) طوال شهور وفي عتمة مطبقة، وبسرية مغلقة.. إلى أن تخرج إلى عالمها الفطري، عالم المجانسة، عالم الضوء، فتبدو كأنها عاشت الحياة لأجل هذه اللحظة؛ لحظة شروق الضوء في عيونها، وملامسة أجسادها للعشب الذي يبس، وحين ييبس العشب يجهر بما كابده من أحزان، رواية (الخزنة) للأسير عصمت منصور، مدوّنة سردية للعزوم المشتهاة، والأحداث المدهشة، والسرد النايف الجميل!

[email protected]