عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 26 حزيران 2022

مِرْوَدُ الكُحْلِ...!

تغريدة الصباح- حسن حميد

ليس من شيم أهل الأدب والإبداع أن ينقلب بعضهم على الآخر، سواء أكانوا أبناء جيل أدبي واحد، أم كانوا أهل معاصرة، فنسمع الكلام الضرير ونراه يحيط بتجاربهم ونصوصهم، وتحفّها التقولات الناقصة أيضاً، وبعض هؤلاء المتكلمين على غيرهم لم يُعرفوا بالعرامة الأدبية، ولا بالجمالية الإبداعية، وأن من ينتقدونهم الآن كانوا نجوماً ومازالوا لهم حضرة ونورانية واشتقاق، والشواهد هي نصوصهم التي مازالت حتى هذه الساعة شارقة بما فيها من جمال وتعب وتشوفات!

شكسبير الأديب الإنجليزي عَرَف في حياته، وبعد رحيله كلاماً ثقيلاً، قاله أدباء ونقاد، لا يليق بالأدب والثقافة ليس لأنه يسيء إلى شكسبير الإنسان والأديب فحسب، وإنما لأنه كلامُ تقولات وظنّة، ومع أن هذا الكلام الثقيل الأسود بات رجوماً من حجارة إلا أن شكسبير ظلّ شكسبير في القيمة والمكانة والأبوة الأدبية؛ لأن نصوصه أحجار كريمة وأزيد.

وبوشكين الروسي، قيل بحقّه الكثير من الكلام الظلامي بقصد تدميره، وإماتة روحه الإبداعية في آن معاً، قيل إنه متهور، وغضوب، ونصوصه لن تعرف المكث والبقاء، وإن ما كتبه مشدود إلى أمكنة وأزمنة، والأمكنة والأزمنة تتحول وتتغير، وهذا ما سيجعل نصوصه معلقةً في الهواء فلا أمكنة تسندها ولا أزمنة تنشد إليها وتتبناها، وكان له من الأعداء الكثير داخل القصر الإمبراطوري، وفي الطرقات، وفي المقاهي، وداخل الصالونات الأدبية، وفي المنابر الأدبية، وحين رحل مبكراً لم يتوار حضوره، ولم تتلاش نورانية نصوصه، لا بل ظلّ، وسيبقى، سيد الأدب الروسي ورائده وشقّاق دروبه الصاعدات نحو المجد.

وبابلو نيرودا شاعر تشيلي، اتهم بأمور كثيرة تكاد تكون لعنات أبدية، فقد قيل إن علاقاته مع الآخرين  تضيء نصوصه، وإن معارفه يجمّلون ما يكتب، وأن فكره الحزبي حمله إلى أمكنة عالية، وإن  موجات التصفيق داخل تشيلي وخارجها، هي التي أيّدته، وإن موهبته متواضعة، وأن النساء الجميلات لعبن أدواراً مهمّة في إعلاء شأنه.. ومع كلّ هذا ظلّ نيرودا أشهر شاعر عرفته أميركا اللاتينية، وأهم صوت شعري الآن، أيّ بعد أن تفككت البنية التي كانت تحيط به، وبعد أن ذهبت طيوف الأحزاب، والنساء، والعلاقات، وكلّ أشكال المناصرة!

والمتنبي، قيل عنه الكثير من الكلام الذي من العيب أن يُسمى كلاماً (هو مجرد حكي)، ووصّف بأوصاف لا تليق بالإنسان، فكيف بالشاعر والمبدع؟ وقيل إن سيف الدولة ناصره وحماه وأيّده دون غيره، فقدمه وأخّر غيره، ولكن الآن، وقد مرت ألف سنة بحمولتها الشعرية النيرة، ظلّ المتنبي الشاعر صاحب القصيد النايف، وتوارت الأذيات والمقذوفات التي لحقت به وبشعره!

قلت هذا لأن هذه الحروب الرجيمة بين أهل الأدب، والاستقواء بالتزييف، والتلوين، والادعاء، والخداع أدّت إلى نتائج وخيمة؛ لأن أهم ما يشعر به الأديب الحقّ، وأهم ما يحفر في ذاته الشفيفة هو هذه الآثار الحارقة لهذه الحروب الشائنة، لأنها تأخذه إلى عزلة قاتلة، ولأهل الثقافة والأدب اليوم، وقد مرّ من تحت قنطرة الحياة الكثير من الأزمنة، أن يتبصروا ويسألوا لماذا غادر أدباء كبار مثل بوشكين وليرمنتوف وغوغول ومايكوفسكي الحياة سريعاً، والحال هي نفسها حين رحل ستيفان تسيفايج وهايني الألمانيان، وفي بلادنا حين رحل أدباء وشعراء كبار، أمثال السياب، وأبو قاسم الشابي، وصلاح عبد الصبور، وتيسير سبول، ونجيب سرور، وأمل دنقل، ورياض الصالح الحسين ..إلخ.

إن الحياة الأديبة، لأنها حياة أدبية، لا يليق بها سوى النبل، لأن النصوص الجميلة لا توصيف لها سوى أنها دارة للإبداع التي عاش ويعيش فيها نبلاء مسّتهم يد السماء بنورانيتها المذهلة، وأنّ القسوة على الآخر قد تصيبه بالأذى، ولكنها لا تجعل من مرود الكحل... بلطةً باطشة!

[email protected]