عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 15 حزيران 2022

هذا العلم علم شعبنا

تغريدة الصباح- محمّد علي طه

أذكر، والذّكريات صدى السّنين، كما قال أحمد شوقي، في تلك الفترة قبل أربعين عامًا لاحقت حكومة مناحم بيغن العلم الفلسطينيّ وحامليه وسنّت القوانين لمعاقبة من يقتنيه أو يرفعه أو يتماهى معه، وتحدّثتُ في تلك الفترة في ذكرى يوم الأرض الخالد، في مهرجان كبير في بلدة كفر كنا وقلت فيما قلت: نحن شعبٌ يحبّ البطّيخ البلديّ، أعني بطّيخ البطّوف الحلو اللّذيذ، ذا الألوان الأربعة: أخضر فأبيض فأحمر فأسود، فهل يستطيع أيّ خواجة أن يمنعنا من حبّ البطّيخ؟

وكتبت في تلك الفترة قصّتي "العلم" عن الطّفل الفلسطينيّ الّذي طلبت منه مدرّسته أن يرسم علمًا كي يلوّح به في حفل يوم الاستقلال وهو يغنّي "في عيد استقلال بلادي، غرّد الطّير الشّادي، عمّت الفرحة البلدان حتّى السّهل والوادي" فرسم الطفل علمًا ذا أربعة ألوان وفرك بصلة بلديّة في عيون منهاج التّدريس الّذي يدعو الى العدميّة القوميّة، وكانت هذه القصّة سببًا من أسباب مصادرة مجموعتي القصّصيّة "وردة لعينيّ حفيظة".

اعتقلت السّلطات الاسرائيليّة في تلك السّنوات من مدننا وقرانا عددًا من الشّبّان الّذين رفعوا العلم الفلسطينيّ في المناسبات الوطنيّة كما سجنت بعضهم بعدما وجدت العلم في بيوتهم أو جيوبهم أو حقائبهم أو على صدورهم واستمرّ هذا الوضع الى أن كان اتّفاق أوسلو فصار العلم الفلسطينيّ يرفرف في النّاصرة وأمّ الفحم والطّيبة ورهط وسخنين وعكّا وحيفا والقدس وتل أبيب و...

سرت قبل ربع قرن تقريبًا مع الجماهير، عربًا ويهودًا، في مسيرةٍ كبيرة في مدينة حيفا وكانت الأعلام الفلسطينيّة ترفرف عاليًا فوق رؤوسنا، واخترقت المسيرة وادي النّسناس فشارع الخوريّ فشارع حسن شكري حتّى وصلت الى ساحة البلديّة، وكان يسير في مقدّمة المسيرة عدد من قادة شعبنا في الدّاخل، والجنرال متسناع رئيس بلديّة حيفا ونفر من قادة حزب العمل في المدينة، وسمعتُ أحد المشاركين يسأل الجنرال متسناع: هل حلمت أن تسير في يوم ما في مدينة حيفا والعلم الفلسطينيّ يرفرف فوق رأسك؟

وأمّا اليوم وفي فترة حكومة التّغيير، فقد شاهدت عساكر الوزير اليساريّ اسمًا واليمينيّ فعلًا وهم يخطفون الأعلام الفلسطينيّة بالقوّة من أيدي المشيّعين في جنازة الإعلاميّة المرموقة الشّهيدة شيرين أبو عاقلة، كما شاهدت عساكر أبو كلبشة ينتزعون العلم من على تابوت الشّهيدة، وكدت لا أصدّق أذنيّ وأنا أسمع القائد يأمر عساكره بمصادرة كلّ علم فلسطينيّ يرونه في الجنازة.

دولة تملك جيشًا قويًّا وصواريخ وطائرات حربيّة وقبّة حديديّة وغوّاصات وتكنولوجيا ومفاعل ديمونا، وما أدراك ما مفاعل ديمونا!، تخاف من العلم الفلسطينيّ. هل تصدّقون؟

منذ سنوات يا حكومة التّغيير ونحن نسير في مظاهراتنا في القدس وتل أبيب وحيفا والعلم الفلسطينيّ يرفرف فوق رؤوسنا، ومنذ سنوات ونحن نحيي يوم الأرض الخالد ويوم النّكبة والعلم الفلسطينيّ شامخ في مسيراتنا، ومنذ سنوات وأولادنا يرفعون أعلام شعبهم في نشاطاتهم الجامعيّة فماذا جرى يا حكومة الأحزاب الثّمانيّة؟ يا حكومة الّذين لا يصّدقون أنّهم صاروا وزراء؟! ما هذا الخوف من العلم الفلسطينيّ يا حكومة الرأسين وما هذا الرّعب وما هذا الجنون وما هذا الحقد؟

أتخيّل أنّ هذه الفوبيا ستقودكم الى منع البطّيخ في الأسواق وفي المطاعم وعلى شواطئ البحر وربّما تصدرون مرسومًا بمنع زراعته أيضًا، وربّما تمنعون زراعة الأزهار.

ماذا ستعمل عساكر بنيت وبار ليف، أعني عساكر الأحزاب الّتي لا تصدّق أنّها وصلت الى كرسيّ الوزارة، ماذا سيفعلون إذا شاهدوا العلم الفلسطينيّ، علم شعبنا، مرسومًا على الوجنات السّمراء والقمحيّة والشّقراء وعلى جبين كلّ شابّ وشابّة وطفلٍ وطفلة من أولادنا وأحفادنا وهم يسيرون في المسيرات أو يقفون في السّاحات وحناجرهم تردّد: غاية تشرّف، وراية ترفرف، يا هناك في علاك؟