عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 14 حزيران 2022

صناعة الفوضى واستحضار العنف (1)

أنور رجب

لم تعد استراتيجية صناعة الفوضى قاصرة على تلك الدول التي أنتجت هذه الاستراتيجية وصدرتها "الولايات المتحدة الأميركية" وقدمت لنا نماذج عديدة ومختلفة في تطبيقاتها العملية وحسب، وإنما أصبحت واحدة من أدوات تستخدمها وتوظفها دول أقل شأناً على جميع الصعد والمستويات، وقد تكون الجمهورية الإسلامية الإيرانية النموذج الأبرز في استيراد هذه الاستراتيجية وتوظيفها في خدمة رؤيتها وسياستها الخارجية عبر أذرعها المنتشرة في المنطقة لا سيما وأنها تنسجم مع نظرية تصدير الثورة التي تبنتها منذ الثورة عام 1979، فيما توسعت دائرة مستخدمي هذه الاستراتيجية لتشمل أيضاً الجماعات الإرهابية العابرة للحدود مثل داعش والقاعدة والإخوان المسلمين، وقبل الخوض في الفكرة الأساسية لهذه المقالة من المهم توضيح بعض النقاط ذات الصلة باستراتيجية صناعة الفوضى، وأبرزها:

أولاً: أن هذه الاستراتيجية وبغض النظر عن التسميات التي حملتها بهدف تحسين مضمونها وتسويقها أمام الشعوب (الفوضى الخلاقة - الفوضى البناءة - التدمير البناء) فإنها تقوم على مبدأ واحد هو "الهدم وإعادة البناء"، والهدف الرئيسي والمركزي لهذه الاستراتيجية هو إدارة المصالح الأميركية والغربية في المناطق التي تتركز فيها تلك المصالح.

ثانياً: أن الغايات والأهداف النظرية لهذه الاستراتيجية تبدو في ظاهرها وكأنها تحمل رغبات وأهدافا نبيلة لها علاقة بتحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وترسيخ مبادئ ومُثل سامية تقود إلى تحقيق الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والمساواة والأمن وكل ما يتعلق بحقوق الإنسان هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنه من المفترض أن التطبيقات العملية لهذه الاستراتيجية تعتمد على مجموعة من الوسائل والأساليب والأدوات السلمية "وسائل القوة الناعمة" بأبعادها الاجتماعية والقانونية والنقابية والثقافية وغيرها.

ثالثاً: أنه لا يمكن الشروع في تنفيذ هذه الاستراتيجية دون توفر شرطين أساسيين أولهما: توفر نوافذ ومداخل تسمح بتسلل صانعي الفوضى من خلال ما يعرف بـ "فجوة الاستقرار" التي تحدث عنها صموئيل هنتنغتون – المفكر السياسي الأميركي، وهي الفجوة التي يشعر بها المواطن بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون (سياسياً– اقتصادياً– اجتماعياً– تنموياً)، فتنعكس بضيقها أو اتساعها على الاستقرار بشكل أو بآخر. وثانيهما: توفر العنصر الداخلي المناط به التفاعل مع المشهد قبل وأثناء وبعد البدء بتنفيذ هذه الاستراتيجية.

في التطبيقات العملية لاستراتيجية صناعة الفوضى، كانت ثورات ما يسمى الربيع العربي النموذج الأبرز في كشف النوايا والأهداف الخبيثة لهذه الاستراتيجية وأطرافها والفاعلين فيها والمتواطئين معهم والتقنيات والتكتيكات المستخدمة في تسويقها وتنفيذها، وهو ما تعبر عنه النتائج التي آلت إليها الأمور في بلدان "الثورات" في سوريا وليبيا واليمن ومصر وتونس وقبلها جميعاً قطاع غزة. وبقراءة سريعة لسياق الأوضاع والأحداث التي سبقت وتلت تلك "الثورات" سنجد العديد من التقاطعات الرئيسية والجوهرية فيما بينها، أهمها أن العنف والاقتتال الداخلي كان السمة العامة التي أعقبت ضرب الاستقرار وإضعاف الدولة فيها وإن كان بنسب ومستويات متفاوتة ولفترات زمنية مختلفة، ثم ذلك التناغم والتعاون الذي حدث بين العديد من الأطراف الدولية والإقليمية التي تقاطعت مصالحها في استهداف تلك الدول وإشاعة الفوضى فيها بغض النظر عن طبيعة العلاقات السائدة والخلافات والتباينات التي تشهدها العلاقات الثنائية فيما بينها، أما على الصعيد الداخلي سنجد أن القوى والأحزاب السياسية من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين سواء عن قصد أو عن حسن نية قد شاركت بشكل مباشر أو غير مباشر في التعاون مع أرباب صناعة الفوضى الإقليميين والدوليين، بالإضافة إلى مؤسسات المجتمع المدني والنقابات والاتحادات والحراكات الشبابية المصنعة من الخارج وكل له أهدافه وغاياته.

القاسم المشترك الأهم بين هذه الأطراف والفواعل هو جماعة الإخوان المسلمين الأداة المركزية والذراع الضاربة التي استخدمتها القوى الدولية في صناعة الفوضى لتكون الجهة الوحيدة المؤهلة لتصدر مشهد ما بعد الفوضى وإعادة إنتاج أنظمة قادرة على تلبية احتياجات ورغبات تلك القوى في إعادة رسم خارطة المنطقة من جديد بما يستجيب لمصالحها ويلبي مطامعها. وبالطبع لم يكن اختيار جماعة الإخوان كأداة لصناعة الفوضى في المنطقة عبثياً أو اضطرارياً، وإنما جاء في سياق العلاقة التاريخية بين جماعة الإخوان والقوى الاستعمارية وتحديداً بريطانيا، وكنتيجة أيضاً لطبيعة فهم هذه القوى لفكر ومنهج الإخوان المعادي للدولة الوطنية واستعداده للتحالف حتى مع الشيطان بهدف إسقاط وتدمير هذه الدولة وإعادة بنائها على أسس إخوانية.

كانت بلدان "الربيع العربي" مسرحاً للعنف والهدم (الفوضى الخلاقة)، وتكفلت جماعة الإخوان بإدارة هذا العنف، حيث أصلت له دينياً من خلال فتاوى شيوخها لحض الشعوب على حمل السلاح ضد الأنظمة وتحشيد وتجنيد المقاتلين من كل بقاع الأرض وإرسالهم لتلك البلدان، وتشكيل المجموعات والجماعات الإرهابية بمسميات مختلفة وتزويدها بالسلاح والعتاد والمال والمقاتلين بتنسيق كامل مع أطراف إقليمية ودولية، وهي نفس الأطراف التي شكلت لها حاضنة فيما سبق، وتحولت لملاذ آمن لها بعد السقوط المدوي للجماعة الأم في مصر بفعل ثورة 30 يونيو التي قام بها الشعب المصري بتأييد ودعم من الجيش والقوات المسلحة المصرية، وبالرغم من هذا الفشل والسقوط إلا أن الجماعة استمرت في نشر العنف والإرهاب في محاولة لإفشال الثورة بدعم وتأييد من نفس القوى الدولية والإقليمية التي بدأت تعيد حساباتها ورهاناتها، وتعيد صياغة علاقاتها مع دول "الربيع العربي" بمعزل عن الإخوان المسلمين التي لم يتبق لها سوى آخر القلاع وهو قطاع غزة الذي تسيطر عليه حركة حماس فرع جماعة الإخوان المسلمين وذراعها العسكرية في المنطقة، والتي تحاول من خلاله الجماعة استعادة دورها الدولي والإقليمي وبث الحياة في مشروعها الإخواني من جديد عبر الإمساك بالورقة الفلسطينية واستكمال الدور المرسوم لها في نشر الفوضى في الشق الآخر من الوطن في الضفة الغربية.

وللحديث بقية