عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 14 حزيران 2022

مستوطن وستة جنود

الأسير أسامة الأشقر

يعيش في مدينة الخليل أكثر من نصف مليون مواطن فلسطيني وقد التصق هؤلاء بأرضهم وعمروها منذ آلاف السنين، فهم من هذه الأرض ويشعرون بأنها مجبولة بعرقهم ودمائهم ولم يغادروا منها أو يتركوها أبدا فهي أيضا ساكنة في أرواحهم، وهم يناضلون منذ عقود طويلة للبقاء والاستمرار والبناء وتعمير هذه البلاد. وبرغم عديد الظروف القاسية التي مرت عليهم في حقب مختلفة لم يتغير عليهم شيء ولم يزدادوا إلا عزيمة وثباتا وإصرارا على حقهم الأصيل في العيش على هذه الأرض وتحقيق الأفضل لأبنائهم وأحفادهم فهم يشبهون هذا التراب وهو يشبههم حتى أنك تظن للوهلة الأولى أن التراب مأخوذ من جلودهم وأجسادهم وهذا الارتباط بينهم وبين هذه الأرض لا يتحلل مع الزمن أو يذوب في لحظة الاضطراب التي نعيش والتي تبدو ظاهرة هذه الأيام مع تبدل أحوال العرب وانكفاء مشروعهم الحضاري والإنساني وسيادة رأس المال اليهودي والمناصرين له في العالم.

هذه الحقائق الثابتة ترفع منسوب اليقين لدينا بأن صمودنا على هذه الأرض لم يكن بفعل التحدي والإصرار فقط بل هو ثابت في الجين الفلسطيني الخاص وهو لا يتبدل أبدا فهو لم يعد فقط موروثا بل هو حقيقة علمية أثبتتها كل تجارب التاريخ القديم والحديث خصوصا وأنت ترى المغتصب المحتل الذي يُظهر للوهلة الأولى البأس والقوة وما إن تتمعن بالصورة حتى تجد خواءه وضعفه بائنا بلا مواربة، وأكبر دليل على ما نقول المشاهد التي رأيناها في بلدة ترقوميا قبل يومين ومظهر الشاب الفسطيني حسام فطافطة الذي يقاتل بيده العاريتين فرقة كاملة مدججة بالسلاح من جنود الاحتلال الذين احتلوا فلسطين بالقوة وأقاموا دولتهم بالقوة وتوسعوا أيضا بقوة الدبابة والجرافة والطائرة، وهذا حقيقي لكن الأهم من هذا كله هي حالة عدم اليقين التي تسكنهم وهذا واضح من حركاتهم اليومية ومن سلوكهم العادي فحالة اللايقين والارتباك التي يشعر بها المحتل والمستوطن تؤكد أن إقامته في هذه الأرض وإن كانت في هذه اللحظة تبدو طويلة إلا أنها مؤقتة ومرتبكة وغير ثابتة فعندما ترى أحد المستوطنين يسير في أحد الشوارع الفلسطينية ويحيط به ستة جنود من كل الاتجاهات تتأكد حينها أن هذا المنظر وإن كان محزنا إلا أنه يبعث الأمل، فالإنسان الذي لا يشعر بالأمن فهو لا يشعر أنه في أرضه والإنسان الذي لا ثقة لديه بقدرته على العيش الطبيعي لن يستطيع الاستمرار مهما بدا أن إقامته قد تطول على هذه الأرض فهو يعلم بقرارة نفسه أن عيونه لا تشبه هذه الأرض وأن جلده ليس مجبولا من ترابها ولم يأخذ لونها بعد وهو يعلم أيضا أن هذه الأرض لا تقبل الغرباء وحتى وإن مكثوا طويلا فيها وهو ثابت بحكم التاريخ والجغرافيا.