عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 05 حزيران 2022

فيصل الحسيني..!

تغريدة الصباح- حسن حميد

أعترفُ، بأنني أزداد غنىً وفخاراً كلما غوّرت في معرفة البلاد الفلسطينية، لأنني لا أجد من معنى يكسو تواريخها ويزينها على اختلاف فتراتها وحقبها سوى معنى العمران. فالعمران صفة تجتمع فيها معاني العشق والحذق والخير والحقّ والجمال.
فالكتب التي تدور حول التاريخ الفلسطيني، وكلما قلّبتها أجدها ناطقة بالعمران جاهرةً به، وكأن هذه البلاد الفلسطينية عروس أبدية لهذه الحياة الآبدة، وكذلك هي الجغرافية التي تعالقت مع الأحداث حتى كتبت جماليات المكان، وحبّرت العادات والتقاليد والأعراف والتصورات كلّها كي تدور مثل طيور القطا حول الغدران طلباً للري والأمان! والناس في فلسطين، أعني أهلها، وكلما جلتُ في حيواتهم، وانسللتُ إلى أسرارهم وأحلامهم وجدتهم عشاقاً ليس لمدن مثل القدس، وطبريا، وحيفا، والناصرة.. فحسب، بل أراهم عشاقاً للدروب النّاحلة ذات الظلال الحيّية التي تشدّ القرى إليها انتظاماً في خيط المجد مثل حبّات الخرز الرّاهجة، والحياة الفلسطينية عامة مفاخرة شديدة الغنى بما يليق به أن يُكتب ويُرسم ويُصوّر ويُذاع ! إنها سلالة النبل والعمل والنيافة التي يتوارثها الفلسطينيون جيلاً بعد جيل على الرغم من كثرة الكواره الغامّة!
أمدّ سطري الطويل هذا لأعبر عن ذهولي لهذه السلالة النورانية التي تعرفها العائلات الفلسطينية، وما أكثرها، وما أكرمها، ومنها عائلة الحسيني المقدسية، لقد ذهلتُ من هذا الحرص الوافي الضّافي على الكرامة الممتدّ نسباً من أجداد الأجداد وصولاً إلى الأحفاد!
نحن الآن، وفي هذه اللحظة الزمنية التي رحل فيها ابن القدس فيصل الحسيني، اللحظة التي تفترش الزمن والمعنى، كيما تمدّ الدروب بالعزوم نحو ما حلمنا ونحلم به، نحو ما نعيش، وما نوقف حياتنا كلّها من أجله.
فيصل الحسيني (1940-2001)، عاش عمره مغترباً، قلقاً، ممتلئاً بالأسئلة الوجودية التي تدور حول الوطن ومعانيه وطيوفه ومراياه التي عوّقت عمرانه شرورُ أفعال الأقوام الغريبة الطامعة بنوافله!
لم يتملَ فيصل الحسيني وجه أمّه، ولم يتذكره لأنها رحلت وهو ابن سنة ونصف السنة، ولم يشبع من مخالطته لأبيه ليتعلّم على ركبيته كلّ ما تاقت إليه نفسه، لأن والده رحل شهيداً مبللاً بدمه الزكي، في معركة القسطل ولم يعرف جده الشهيد موسى كاظم الحسيني الذي رحل قبل ولادته بـ ست سنوات إلا من المرويات والكتب والأحداث. إنه الابن الذي درس في مدرسة الجد والوالد، ورأى رأي العين سماعاً وقراءة وتنقيباً حياة الغربة والتنقل التي عاشها الجد من القدس إلى دمشق، إلى إسطنبول إلى اليمن إلى لبنان إلى مصر من أجل سمو واحد هو سمو الوطن، لقد قضى الجد شهيداً في مدينة يافا حين قاد إحدى التظاهرات الوطنية بوجه المحتل البريطاني عام 1933، فانهالت عليه عصي أفراد الشرطة البريطانية فأصابت رأسه بعطب أودى بحياته، وكذلك حين ماشى الأسطر التي كتبت سيرة والده، عبدالقادر، الذي درس في الجامعة الأمريكية في بيروت وطرد منها لوطنيته، ثم سافر إلى القاهرة ليدرس الكيمياء، ثم مضى إلى دمشق، ثم إلى العراق مناصراً لثوارث أهلها ضد الإنجليز، فسجن، ثم أفرج عنه ليذهب إلى السعودية، ثم يعود إلى فلسطين ليكون جندياً ثائراً في جيش الجهاد المقدس، كيما ينال الشهادة التي تمناها وسعى إليها! وها هو فيصل الحسيني يمشي درب العزة نفسها، فيدرس في القاهرة، وحلب ليتخرج مهندساً، ثم يتقفى دروب النضال، فيؤسس بيت الشرق في القدس، ويتحمّل آلام السجن وعذاباته، ومواجع التوقيف والاعتقال الإداري، وتقييد حريته! 
أما رحيله فكان تقفياً لرحيل جده، وأبيه .. ليكون شهيداً من أجل فلسطين، في الكويت، كي يمحو ما أفسدته السياسة.
بلى، ومن خلال هذه السيرة،أقول:  النبل سلالة، والوطنية قيم، والرجال الحق هم شجر البيوت التي وعت أن المجدَ عمرانٌ، وثقافةٌ، وصيغةُ عيش!