عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 31 أيار 2022

القدس والبارود ورقصة الدم

نبض الحياة- عمر حلمي الغول

استفاقت العاصمة الفلسطينية، القدس المحتلة أمس الأول الأحد، لتجد نفسها محاصرة بالنار والبارود. كان جنود إسبارطة الصهيونية منتشرين بالعشرات والمئات والآلاف في ميادينها وساحاتها وبواباتها وشوارعها وأزقتها وأسواقها. اقتحموا المسجد الأقصى المبارك، حاصروا المرابطين، وأغلقوا عليهم أبواب المصلى القبلي، وطاردوا كل فلسطيني طفلا أو امرأة أو شيخا أو شابا تمكن من اختراق حواجزهم المنتشرة كالفطر على أبوابه وداخل حرمه الشريف ووصل للدفاع عنه. مع إدراكهم جميعا أن يد البطش الصهيونية الإجرامية قد تطال أرواحهم وأجسادهم بعظائم الأذى، وهو ما حصل فعلا داخل باحات أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين وفي كل زاوية من البلدة القديمة وشوارعها وأسواقها العتيقة، التي حاكت وتحاكي حقب التاريخ برسوخها وملامحها الفلسطينية العربية والإسلامية المسيحية.  
كان الأحد الماضي يوما من أيام القدس المجيدة، يوما للحرية والسلام وتجسيدا للسيادة الوطنية، رغم انفلات دولة الاستعمار الإسرائيلية وقياداتها بقضها وقضيضها وبمستوييها السياسي والعسكري والأمني وقطعان مستعمريها من عقالهم لتمرير مسيرة رقصة الدم المغطاة بعلم الرواية المزورة والوجود اللاشرعي لدولة التطهير العرقي الإسرائيلية والمشبعة بالعنصرية والفاشية ورائحة البارود. ومع أن دولة الصهيونية أعادت احتلال العاصمة الفلسطينية الأبدية بآلاف من جنودها وأجهزتها العسكرية والأمنية، كما لم يحدث من قبل إلا زمن احتلالها قبل خمسة وخمسين عاما في أعقاب هزيمة العرب في حزيران/ يونيو 1967 لبلوغ هدفها، إلا أنها تعرت تماما، كما تتعرى في كل جرائم حربها، وأثبتت للصهاينة المستعمرين جميعا وللعالم وفي مقدمته الولايات المتحدة، أنها لا تملك الأرض ولا السيطرة عليها ولا على الشعب صاحب التاريخ والهوية والوجود الأزلي فيها منذ بدء الخليقة ووجود أول إنسان كنعاني عربي؛ لأن البارود وجنود الموت والجريمة المنظمة لا يمنحون سيادة لأحد، لا بل يفقدونها شرعيتها، ووجودها، ويميطون اللثام عن أكاذيبها وأساطيرها وخزعبلاتها المفضوحة، التي لا تستقيم مع حقب التاريخ وهوية الشعب الفلسطيني المتجذر في أرض وطنه الأم.
سقطت دولة الموت الإسرائيلية، وتهاوت أكاذيبها أمس الأول، مع أنها حشدت عشرات الآلاف من قطعان مستعمريها بسياج كثيف من الجنود والضباط والمليشيات الاستعمارية بمختلف مسمياتها، ما عكس الحقيقة الراسخة لهوية عاصمة فلسطين الأبدية، القدس العظيمة، التي كانت وما زالت بما تملكه من مكانة تاريخية وثقافية حضارية ودينية صانعة التاريخ القديم والحديث، والتي لفظت على مدار حقب التاريخ كل العابرين الغزاة، وتعمدت مع شعبها وإرث مجدها، وصانع مستقبلها، وباني عظمتها على البقاء جسدا واحدا. الذي لم يبخل عليها يوما بالعطاء والدفاع عن ثراها، وتقديم كل قرابين الوفاء على مذبح تحررها وانعتاقها من الغزاة السابقين والجاثمين على أنفاسها منذ 55 عاما. 
رفع الصهاينة أعلام هزيمتهم بقوة البارود والعسكر، ولكنهم خرجوا من العاصمة المحتلة كالفئران المذعورة، هاربين من حراس العاصمة وحوضها المقدس عموما ومسجدها الأقصى المبارك خصوصا، الذي لن يكون إلا لأتباع الديانة الإسلامية دون سواهم، هربوا خشية من أطفال ونساء فلسطين الماجدات وشيوخ وشباب أرض الرباط، لأنهم يدركون أنهم لا يقوون على الدخول إليها إلا تحت حراب وحماية جنود إسبارطة الصهيونية. 
واختفى عن المشهد ذلك المدعو منصور عباس وكتلته وحركته الإسلامية الجنوبية لاذوا بالصمت، كأن القدس والمسجد الأقصى لا تعنيهم، وليست لها علاقة بالمسلمين، وسقط مع بينيت ولبيد وشاكيد وساعر وليبرمان ونتنياهو وبن غفير وغليك وسموتيريتش وغوبشتاين وكل القتلة المجرمين. وانتصرت القدس على البارود والجنود القتلة، وعلى العنصرية والإرهاب والفاشية، انتصرت فلسطين وقيادتها وشعبها، وتكرست السيادة الوطنية، التي لا سيادة قبلها أو بعدها على زهرة المدائن وعلى الأرض الفلسطينية العربية، حتى تحت نير الاستعمار الصهيوني. 
وهناك ما بين الكلمات والسطور عناوين ودلالات سياسية وكفاحية وثقافية عديدة يستطيع المواطن استشرافها، وهناك دروس وعبر كثيرة كرستها الجماهير الفلسطينية العربية بمسيحييها ومسلميها ويهودها غير الصهاينة، الذين رفعوا العلم الفلسطيني دون سواه ليقولوا للعالم وللولايات المتحدة الأميركية، هنا القدس العاصمة الفلسطينية الأبدية، التي لا تكون إلا عاصمة لفلسطين. كانت تسمى فلسطين، صارت تسمى فلسطين، وستبقى تسمى فلسطين العربية شامخة أبية رغم أنف الفاشيين الصهاينة وحلفائهم في الغرب الرأسمالي.