عاجل

الرئيسية » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 28 أيار 2022

حمام السمرة.. رحلة ألف عام

غزة- الحياة الجديدة- عبد الحي الحسيني- رحلة ألف عام إلى الوراء تصحبك لحمام السمرة في قلب البلدة القديمة، بحي الزيتون شرق مدينة غزة، معلم أثري، ومزار طبي، وشاهد تاريخي على حضارات عظيمة مرت من هناك، لتلمس فيه عبق الماضي، وأصالة الأرض العتيقة، إذ يعتبر الوحيد في قطاع غزة، وثاني أكبر المعالم الأثرية بعد الجامع العمري الكبير.

يتكون حمام السمرة المقام على مساحة خمسمئة متر، من أربعة أقسام تتمثل في: المستوقد وهو مكان إيقاد النار بواسطة الحطب، لتسخين الماء الداخل إلى مختلف أرجاء الحمام، والقسم الخارجي البارد "الاستراحة" ويعتبر القاعة الأكبر في المكان، إذ يتكون من إيوانين، مسقوف كل منهما بقبة محاطة بالنوافذ، تتوسطهما نافورة مياه، وتوجد مقتنيات أثرية قديمة، ومساطب مفروشة بالأرائك ومساند تراثية في جميع الجهات، ليستريح عليها المستحمون بعد الانتهاء من الاستحمام، فيفقد الجسم حرارته التي اكتسبها، والقسم الداخلي الدافئ، المسقوف بقباب تحتوي على فتحات زجاجية تسمح بدخول أشعة الشمس، يتم فيه تبديل الملابس، والاستعداد للاستحمام، والتدليك، وأخيرا القاعة الساخنة المشبعة بالبخار، للاستمتاع بالحمام الساخن و"الساونا"، فالحرارة تصل فيها إلى 60 درجة مئوية، ويمكن العودة للقسم السابق، لأخذ قسط من الراحة. 

يروي مالك حمام السمرة، سليم الوزير (72 عاما): "يقدر عمر الحمام بحوالي ألف عام، بدلالة وجود لوحة مدون عليها أنه تم ترميمه في أوائل العهد المملوكي على يد الأمير سنجر بن عبد الله عام 685 هجري، ولكن لم تصل إلينا وثائق تؤكد التاريخ الأصلي للبناء".

ويضيف: "كان الحمام ملكا لعائلة آل رضوان إبان الحكم العثماني، حيث إن عائلتي كانت استأجرته منها، حتى انتقلت ملكيته إلينا في أواخر خمسينيات القرن الماضي".

ويتابع: "لا نقول هذا الصرح ملكنا، إنما نحن أوصياء عليه، لنحافظ على تاريخه وأصالته من الاندثار، فهو ملك لكل فلسطيني أينما كان".

ويوضح الوزير: "تعود تسميته نسبة للطائفة السامرية (السمرة) التي عملت فيه حينما سكنت قطاع غزة، ويقال إنها امتلكته فترة من الوقت آنذاك".

ويردف: "يتزايد إقبال المواطنين على الحمام في الإجازات وفصل الشتاء دون غيره من الفصول"، مشيرا إلى أنهم أصبحوا على دراية واسعة بأهميته وفوائده، فباتوا يترددون عليه باستمرار.

ويعقب الوزير: "يستخدم الحمام لأغراض طبية وعلاجية، إلى جانب الاستحمام والترفيه، فهو يعمل على إرخاء العضلات، وعلاج ضعف الدورة الدموية مما يساعد على وصول الدم للأطراف، ويخفض مستوى الضغط والسكر بالدم، ويخرج سموم الجسم عن طريق التعرق، كما ويعالج بعض الأمراض الجلدية".

ويتابع: "يتم تقديم النصائح والتعليمات للمستحمين قبل دخولهم غرفة البخار، ومراقبتهم بشكل متزامن، تفاديا لوقوع أي مكروه طارئ أثناء فترة الاستحمام".

وينوه الوزير: "نستخدم الحطب وهو الطريقة التقليدية القديمة في تسخين المياه، كون المنطقة المحيطة مكتظة بالسكان"، مضيفا أن المواطنين راضون عن كيفية عمل الحمام، وما يقدمه من خدمات.

ويشير إلى أن فترات العمل تنقسم إلى ثلاث: فترة صباحية للرجال من الفجر حتى الظهيرة، ومسائية للنساء من الظهيرة حتى العصر، وأخرى للرجال من العصر حتى آخر الليل".

ويختم الوزير حديثه قائلا: "استلمت إدارة الحمام بعد وفاة والدي عام 1970، لذلك أعتبره جزءا مني، بل إنه حياتي بأكملها، وأمنيتي أن يبقى في أفضل حالاته، فهذا ما يمنحني الراحة النفسية، كما وعلمت أبنائي حسن الانتماء للمكان، حتى يتمموا المسيرة من بعدي بعد عمر ما".

من جانبه، يقول أحد الزوار المترددين على الحمام باستمرار، إنه يأتي مع أصدقائه من محافظة رفح جنوب قطاع غزة، بين الحين والآخر، لاستعادة نشاطهم وحيويتهم من خلاله.

وحسب ما وثق المؤرخون في فترة العهد العثماني، بلغ عدد الحمامات العامة في فلسطين 38 حماما، كان الهدف منها الحاجة للاستحمام إلى جانب الترفيه والتنزه، وذلك لشح المياه وعدم توفرها في المنازل.

وبرز دور مهم للحمامات العامة في فترة العصر الإسلامي في مختلف النواحي الدينية، والصحية، والاجتماعية، والترفيهية، فكان الناس يقصدونها بهدف النظافة العامة، وكذلك يتم فيها إقامة بعض المراسم والاحتفالات، مثل: زفة العريس، وحنة العروس، وغيرها.