عاجل

الرئيسية » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 26 أيار 2022

يا زمان الوصل اللبناني عُد

بيروت- الحياة الجديدة- هلا سلامة- كما كان متوقعا، لبنان على شفا الانفجار الاجتماعي الكبير بعد الانتخابات النيابية التي شهدت ضخ المال السياسي وتهدئة مؤقتة لسعر صرف الدولار، الصرخات تتسابق من مختلف القطاعات الحيوية على وقع دولار لامس حدود الـ 35 ألف ليرة لبنانية دون ما يلجمه ويبدد مخاوف اللبنانيين المكفهرة وجوههم على اعتاب المشافي والصيدليات والمدارس والجامعات ومحطات البنزين والاستهلاكيات.
الأمن المعيشي في مهب ريح افلاس الدولة اللبنانية المكابرة في اعلانه، "ابشروا أيها اللبنانيون.. الدولة ألغت ودائعكم بشحطة قلم، رضيت الضحية ولم يرض الجاني بذريعة أن هذه العائدات هي ملك للشعب ولا دخل للمودعين بها وكأن استنزاف أموال المودعين لدعم الشعب كان محللا، أما استعادة المودعين لأموالهم فهو محرم ..." هذا آخر ما قالته جمعية المصارف للبنانيين في بيان شديد اللهجة ضد الخطة المالية للحكومة.
ورد نائب رئيس الحكومة سعادة الشامي مدافعا عن الخطة الحكومية بأنه لا يمكن المساس بأموال المودعين قبل استنفاد رؤوس أموال أصحاب المصارف نافيا أن تكون الخطة ترمي إلى إعفاء الدولة ومصرف لبنان من أي مسؤولية.
وهاجم الشامي بيان جمعية المصارف قائلا إنه مناف للحقيقة ويمثل عملية هروب إلى الأمام في محاولة مفضوحة تدعي حماية المودعين.
الوضع المتأزم في القطاع الصحي يحول دون استمرار المشافي بتقديم الخدمات للمرضى، ما دفع نقابتي أطباء لبنان في بيروت والشمال ونقابة اصحاب المشافي الى الدعوة لاضراب اليوم الخميس وغدا الجمعة رفضا لسياسات مصرف لبنان والمصارف بحق المودعين عموما والقطاع الصحي خصوصا.
نقيب الاطباء شرف ابو شرف رفع الصوت عاليا مطالبا الدولة والمصارف بتطبيق القوانين وعدم اذلال الناس وتأمين الحد الأدنى من العيش الكريم مشددا على ان القطاع الصحي خط أحمر لأنه يتعلق بصحة الناس التي يجب ان تكون اولوية.
أبو شرف اوضح في اتصال مع صوت بيروت انترناشونال "ان المشكلة الكبيرة اننا لا نستطيع التصرف بأموالنا والأموال التي تصلنا من الجهات الضامنة الرسمية او الخاصة لا نستطيع سحبها من المصارف كي نؤمن الحد الأدنى من العيش اللائق" لافتا الى ان المصارف لا تقبل بالشيكات والذين يقبلون بها يأخذون عمولة 40% ولا يمكننا سحب الا كميات قليلة من أموالنا لتأمين المستلزمات ولا نستطيع استعمال البطاقة المصرفية. وقد أمل ابو شرف بالتوصل الى حلول بعد الاضراب مؤكدا على الاستجابة لكل الحالات الطارئة التي لا يمكنها ان تنتظر.
وفي سياق التهديدات المعيشية، الأمن الغذائي في خطر والخبز الى الواجهة من جديد، تعود بين الفينة والأخرى طوابير الذل أمام الأفران للحصول عليه، الأمر الذي يعود الى الارتفاع الكبير في أسعار المحروقات التي تؤثر في انتاجه الى جانب ارتفاع سعر القمح في الأسواق العالمية نتيجة الأزمة الاوكرانية وقد دخل سعر ربطة الخبز في الأيام الأخيرة بازار السوق السوداء ووصلت لحدود الثلاثين ألف ليرة في بعض المناطق، فيما فقدت في مناطق أخرى بسبب نفاذ الطحين علما ان نقيب أصحاب الأفران علي ابراهيم كشف في وقت سابق ان ازمة الخبز والطحين مستمرة وان لم تحل ستتفاقم اكثر.
ولا يبدو ان صفيحة البنزين ستتوقف عند حدود الـ600 ألف ليرة لبنانية في اعلى رقم وصلت اليه منذ بداية الأزمة اللبنانية فقد اعلن رئيس تجمع الشركات المستوردة للنفط مارون شماس أمس ان الحل قد يكون بالعودة الى نظام المفرد والمزدوج (رقم لوحة السيارة) أو ان يتشارك اكتر من شخص سيارة واحدة، كاشفا عن ارتفاع في الأسعار في الجدول صدر أمس الأربعاء بعد ارتفاع سعر صرف الدولار في السوق السوداء وعلى منصة صيرفة وانه لا يمكن للقطاع حل المشكلة وحده ولا بد من التفاهم مع الدولة والمواطنين.
وفي السياق، زيادة تسعيرة الواتساب التي اوقفتها ثورة 17 تشرين ستمر حكما تحت ضغط جنون ارتفاع الدولار، وقد اتخذ وزير الاتصالات جوني القرم قرار زيادة تعرفة الاتصالات والانترنت اعتبارا من اول تموز بسبب مشاكل مع الموردين وكما الموظفين، وقد اعلن القرم "انني اتفهم وجع المواطن لكن لا بد من تعديل التعرفة وان لا مجال لأي قطاع ان يستمر بالعمل على سعر دولار 1500 ليرة لبنانية وقد خفضنا التعرفة الى الثلث مقارنة مع العام 2018 وقفد انخفض مدخول القطاع الى 22% واصبحنا من أرخص القطاعات في العالم إذ ان المعدل الوسطي لمردود الاشتراك بات 1.88 شهريا مقارنة مع الأردن 11.5 دولار وبالتالي مع رفع التعرفة يصبح هذا المعدل 7$ مع استثناءات لذوي الدخل المحدود بحيث سيكون هناك باقات بـ 4.5 و7 دولارات مع الأخذ بعين الاعتبار ذوي الحاجات الخاصة والأمنيين والطلاب اما بالنسبة لمعدل تعرفة الخطوط الارضية فيضرب المبلغ بـ 2.5.
وقلق حقيقي على مصير القطاع التربوي الذي كان من اوائل المتضررين بفعل الأزمة المالية التي ضاعفت من تأثيرات الوباء كورونا، مدارس متهالكة وبعضها قد اقفل بسبب عدم قدرتها على تأمين التجهيزات ودفع رواتب المعلمين، الأمر الذي انعكس على الدوام المدرسي الذي شهد اعطالا كبيرة واجتزاء من البرامج وقد أعلن الأب يوسف نصر أمين عام المدارس الكاثوليكية يوم امس لصوت كل لبنان "ان الازمة ليست حديثة ونحن نعاني من أزمة معيشية اقتصادية منذ فترة من الزمن حتى قبل ثورة تشرين وزادت الأمور حدة في القطاع التربوي ووصلنا الى آفاق مسدودة حاليا".
وتكر سبحة الأزمات، ويبدو المواطن في كل يوم على موعد مع مفاجأة من مفاجآت الحياة اللبنانية المستجدة، يسكنه القلق على تأمين مياهه وكهربائه، هذا أبسط ما يحتاجه المواطن للعيش في أي بلد من البلدان، بعد منتصف كل ليل يتحول لبنان الى غابة موحشة تنتظر بزوغ الفجر بعد ان أطفئت المولدات في أحيائه بفعل التقنين الذي يزداد كلما ارتفعت تسعيرة المحروقات التي ترتفع معها فاتورة الاشتراك الشهري (للمولد) وقد بلغت الستين دولار للـ2.5 امبير أي ما يزيد اضعاف عن الحد الأدنى للاجور.
البعض من المواطنين هربوا الى شراء البطاريات لاضاءة منازلهم سرعان ما افتقدوا لخدمة تشريجها بسبب غياب كهرباء الدولة فعادوا ادراجهم الى الوسائل البدائية كالشمعة والقنديل اما شريحة الميسورين لجأت لتركيب الطاقة الشمسية المكلفة للطبقات الوسطى والفقيرة على أسطح بيوتها.
"يا زمان الماضي عود ويا ناس اقتنعوا بقولي لما يحضر شمع الجود انسوا كهرباء الدولة".. هكذا  بالمضحك المبكي في آن معا سوقت احدى شركات صناعة الشموع لشموعها على منتجها الذي توزعه على المحال التجارية.
الانقطاع المتمادي في الكهرباء والشح الحاصل في مادة المازوت والغلاء المطرد في الأسعار ادى الى الحد بشكل كبير من قدرة سحب المياه من الآبار الخاصة بالمباني كما عرقلة عمل محطات الضخ التي تخدم المناطق، وقد اعلنت مؤسسة مياه بيروت وجبل لبنان انها ستضطر مكرهة الى البدء باعتماد برنامج تقنين حاد وقاس ولا سيما على المناطق الساحلية التي تتغذى بالمياه من محطات الضخ العاملة على المولدات أو الكهرباء لدى توفرها. ووجهت المؤسسة نداءين الأول الى المواطنين لترشيد استهلاكهم بالمياه والثاني لأصحاب الارادات الحسنة لمؤازرتها في هذه الأزمة التي استنزفت حتى الآن الموازنة المخصصة لمادة الفيول.
ولا يبدو لبنان على مشارف الحلول القريبة رغم الانتخابات التي عززت مناخ التغيير بوصول شخصيات معارضة الى سدة البرلمان، استحقاقات كثيرة تفتقد الى التوافقات في مقدمتها انتخاب رئيس مجلس النواب ونائبه وبعده تشكيل حكومة وانتخاب رئيس للجمهورية والقيام بالاصلاحات المطلوبة وتنفيذ الخطط المالية الآيلة الى انقاذ البلاد والعباد.