عاجل

الرئيسية » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 16 أيار 2022

أم محمود: جعلنا لقبور أحبتنا شواهد لتشهد يوم القيامة أنهم فلسطينيون أبا عن جد

في ذكرى النكبة من مخيم برج البراجنة

بيروت- الحياة الجديدة- هلا سلامة- مضى العمر في مخيمات اللجوء ولكم انتظرنا، بعد أن تفرقنا عن أقاربنا وأحبتنا.أجيال ودعت أجيالا، ممرات المخيم  الضيقة وجدرانه تختزن ألم شتاتنا ومرارته. كلمات تهمس لنا بها الحاجة مريم شرقية (أم محمود)، التي صحبتنا في جولة في أرجاء مخيم برج البراجنة في بيروت.
هنا الصغير والكبير يستوقفها في تحيته العطرة، فتحضر سيرة الأب الذي يعرفه جميع أهالي المخيم، محمد شرقية أول شيخ ومأذون في المخيم، وأول من فتح بيته مدرسة كي يعلم أبناء وطنه: "لم يكن في بيتنا أسرة، كنا نصطف ليلا على الفراش يتوسطنا أبي كي نغفو على صوته وهو يتلو على مسامعنا حكايا الوطن ووصاياه بالتمسك بفلسطين  مهما طال الاحتلال" تقول أم محمود. 

لجأ والداها إلى لبنان في عام النكبة 1948، استطاعا اصطحاب ابنهما عبد المنعم فيما بقي الابن الثاني إبراهيم  (سنتين)  في سريره من شدة القصف الإسرائيلي على القرى والبلدات في فلسطين. وتضيف "سمعته "مرضية"  ابنة جيراننا وهو يبكي فحملته برفقة عائلتها إلى أهلي الذين كانوا قد وصلوا لبنان، وتقديرا لها أطلق أبي اسم مرضية على أولى أخواتي".  

لاحقت النكبات عائلة مريم في المخيم ، بترت ساق الأم جميلة التي توفيت عام 1998، واستشهد شقيقها جمال في عام 1986  جراء قذائف حرب المخيمات، بينما قضى شقيقاها إبراهيم وأسامة  في حوادث سير.
تصل بنا الطريق مع أم محمود إلى مقبرة المخيم حيث يرقد الأحبة  تحت ظلال شجر الزيتون والريحان والسرو والتوت. تقول أم محمود: "كل هذا موجود في فلسطين ومن وحي بلادنا،  فيأنا قبور أبناء شعبنا  بشجر الزيتون المبارك وجعلنا لها شواهد لتشهد يوم القيامة أنهم فلسطينيون أبا عن جد لجأوا من يافا وحيفا وعكا وصفد ومختلف المناطق الفلسطينية بفعل الوحشية الإسرائيلية التي أبت إلا أن تشتتنا  في مماتنا  كما في حياتنا" .
 يتنقل الدمع في مقلتيها بين قبر وآخر تزوره، "هنا أبي وأمي وزوجي أسعد نبهاني وإخوتي عبد المنعم ويوسف وأحمد وكفاح وجمال، أخي إبراهيم في مقبرة باب الرمل القريبة من هنا وأسامة في  مخيم المعشوق" توضح. 
يستوقفها باكية قبر أمها: "خرجت أمي مع أبي من فلسطين فيما بقي كل أهلها هناك، لم ترهم طيلة حياتها، لطالمت حلمت بالعودة واللقاء بهم قبل أن يتوفاها الله،  ولكن هذا لم يحصل" تتابع قائلة.
تمر أم محمود على سني الشتات الطويلة متنهدة: "آه على فراق وطننا وحياتنا الحلوة في فلسطين أجمل بلدان العالم، لم يتركها أهلنا بخاطرهم، قالوا لهم ستعودون بعد أسبوعين وها نحن في السنة الرابعة والسبعين، هذه المقبرة حين سعت فعاليات المخيم لإنشائها، قالت إحدى اللاجئات واسمها فاطمة دبدوب: من يا ترى ستحتضن هذه المقبرة أولا ؟ بعد ذلك بأيام أصيبت فاطمة  بصاعق كهربائي فكانت هي الأولى  التي دفنت هنا ومن ثم الآلاف من أبناء شعبي". 
الشتات في الحياة وفي الموت، تتابع أم محمود: "أجيال عديدة دفنت هنا، الكبار حملوا مفاتيحهم معهم وحافظوا عليها كثيرا قبل أن يفارقوا الحياة، النكبة لاحقتنا في قبورنا، أمواتنا لم يجدوا مكانا مريحا، لذا تجدين على شواهد القبور أسماء عديدة من العائلة الواحدة". 
وتضيف: "هذه المقبرة ومقبرة الشهداء التي تضم رفات شهداء فلسطين وغيرها من المقابر  في لبنان ودول عديدة ستكون في يوم ما من المعالم الفلسطينية التي توثق نكبة شعب بكامله واضطهاد الاحتلال له على مدى عقود، سيقال هذه مقبرة الفلسطينيين وصمة عار على الاحتلال ومجازره، قوة السلاح  لن تغلب صمودنا ولساننا الذي لا يسكت عن فلسطين، نحن نرضع أبناءنا فلسطين .. دفنوا ولم يدفن الوطن، أحيوا كل ما فينا من أجل فلسطين وعبدوا لنا طريق الحرية". 
وتردف: "نحن لا نخاف من الموت، حتى أن أطفالنا يقضون العيد في فسحة هذه المقبرة بسبب ضيق المخيم وممراته، ويعودون إلى المنازل وفي أذهانهم تاريخ العائلات التي هجرها الاحتلال والذي بدوري أقول له إنك ستزول وبئس المصير، وإن الشجر الذي ستختبئ خلفه في فلسطين ستدمرك أوراقه". 
أم محمود التي يتوزع إخوتها وأولادها الستة بين لبنان وفلسطين وأوروبا وأميركا والدول العربية، تقول إنها لم تشاهد أختها رقية التي تعيش في الخليل في فلسطين منذ 38 عاما وهي تفخر بالثوب الفلسطيني الذي أرسلته لها من الوطن، بينما التقت بخالها يوسف عكاوي في السعودية أثناء أدائها  فريضة الحج، "شاءت الصدف الجميلة أن التقي به" تقول.   
نعود أدراجنا مع أم محمود من حيث أتينا، إلى مركز دار الشيخوخة النشطة حيث ستتناول وجبة الغداء مع أصدقائها المسنين، تعود الفرحة إلى وجهها قائلة: "دار الشيخوخة هي دار حب وأمان وسعادة، نحن أولاد حياة نضحك ونغني وننشد لفلسطين وللعودة لها، وبعفوية تردف: "إذا بدك فلسطين ما فيك تنام بدك تتحرك إنت وجيلك والجيل اللي بعدك ولكل منا دوره ".

 الحاجة مريم شرقية أم محمود تختم في تاريخ النكبة حديثها مع الحياة الجديدة: "إن شاء الله تكون هذه الذكرى الأخيرة لنكبة بلادنا، نراها قريبة والاحتلال ينهزم يوما بعد يوم أمام صمود شبابنا وأسرانا، وها هو يفقد صوابه بقتل الصحافة واغتيال صوت الحقيقة الذي سيبقى يصدح في بيوتنا، شيرين أبو عاقلة شاهد آخر من بلادي".