عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 15 أيار 2022

وتستمر نكبة الفلسطينيين

د. رمزي عودة*

قامت العصابات الصهيونية بقيادة الهاغاناه في حرب 1948 بتنظيم أكبر عملية إبادة عرقية بعد الحرب العالمية الثانية. حيث هجرت نحو 800 ألف مواطن فلسطيني من بيوتهم من أصل 1.4 مليون فلسطيني، ونجحت هذه العصابات بتهجير الشعب الفلسطيني بفعل الإرهاب والتخويف والطرد المباشر. وهذا ما ذهبت إليه دراسة "بيني موريس" أشهر المؤرخين العسكريين الصهاينة. ليس هذا فحسب، فوفقاً لخطة "دالت"، التي كشفت عنها دراسة "ألين بابيه" فيما أسماه "التطهير العرقي للفلسطينيين"، فقد هدفت العصابات الصهيونية إلى تفريغ الأرض الفلسطينية من سكانها لتسهيل عملية استيطان الأرض من قبل المستوطنين الصهاينة المهاجرين من الدول الغربية. وتأكيداً لهذه الخطة، وفي مذكرات الهاغاناه، رفض الضابط المسؤول عن حصار مدينة اللد بعد انسحاب الجيوش العربية منها أن يجتاح المدينة بسبب الكم الكبير من المواطنين العرب فيها، ولم يدخل المدينة إلا بعد أخذ الإذن من "بن غوريون" نفسه بأن يطبق خطة دالت على اللد. وهو الأمر الذي حدث فجراً حينما استدعت العصابات الصهيونية قسرا شباب ونساء المدينة وأعدمت أكثر من 90 فلسطينياً في الساحة المقابلة لمسجد المدينة، ما أدى إلى لجوء سكان المدينة. وفي السياق، لم تكن مجزرة دير ياسين التي راح ضحيتها أكثر من 280 فلسطينيا مدنيا من الرجال والنساء والشيوخ والأطفال، إلا جزءاً من خطة "دالت"، حيث هدفت المجزرة إلى ترويع القرى الفلسطينية المحيطة بالقدس من أجل خلع سكانها من بيوتهم. وباعتراف زعيم منظمة "ليخي" الإرهابية الذي قاد الهجوم على دير ياسين، فإن المجزرة ما كان لها أن تحقق أهدافها لولا  قتل المدنيين والتمثيل بالجثث وحرقها وبث الشائعات عن المجزرة.

وبعد 74 عاما من النكبة وقيام دولة الاحتلال وقتل عشرات الآلاف من الفلسطينيين وطرد مئات الآلاف منهم من بيوتهم، فإن قوات الاحتلال الإسرائيلي تستمر في "نهج النكبة" ضد الشعب الفلسطيني. وكأنما أضحت سياسات التطهير العرقي والقتل وابتلاع الأرض جزءاً من الهوية الاستعمارية الصهيونية. فدولة الاحتلال ما زالت تقتل الفلسطينيين المدنيين، وتعتقل الأطفال وتعذبهم في سجونها كما حدث تماماً مع الطفل الأسير أحمد مناصرة، وتقتل النساء كما فعل قطعان المستوطنين عند قتلهم عائشة الرابي على حاجز زعترة. وقد بلغ عدد الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين في سجون الاحتلال حتى نهاية شهر كانون الثاني 2021 نحو (4500) أسير، منهم (37) أسيرة؛ فيما بلغ عدد المعتقلين الأطفال والقاصرين في سجون الاحتلال نحو (140) طفلاً، وعدد المعتقلين الإداريين نحو (450) معتقلاً؛ ولم تكن حالة الأسير غسان زواهرة الذي استشهد أخوه وتم تمديد اعتقاله الإداري لأكثر من 7 سنوات متقطعة إلا حالة شاهدة على طغيان الاحتلال وانتهاكاته المستمرة لاتفاقيات جنيف الأربع. ووفقاً للجهاز المركزي للاحصاء الفلسطيني، فإن أكثر من 100 ألف فلسطيني استشهدوا منذ النكبة وحتى الآن، كما تم أسر نحو مليون فلسطيني منذ عام 1967. وتشير بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إلى تعرّض ما يربو على 110 آلاف فلسطيني للتهجير الداخلي في مختلف أنحاء الأرض الفلسطينية المحتلة خلال العقد المنصرم. وتقدر الاحصاءات في الضفة الغربية، أن 900 فلسطيني قد هُجِّر خلال العام 2019 في أعقاب هدم منازلهم أو مصادرتها، وقد أقدمت سلطات الاحتلال على إجبار ما يزيد عن 400 مواطن على هدم منازلهم بأيديهم. من جانب آخر، تتعرض القدس إلى سلسلة متواصلة من عمليات التهويد والتمييز العنصري، وتقدر منظمة مراقبة حقوق الإنسان أن هناك نحو 90 ألف فلسطيني في القدس الشرقية يعيشون حاليا في مباني مهددة بالهدم.

بالنتيجة، فإن النكبة مستمرة، وما زال أبناء الشعب الفلسطيني يعيشونها كل يوم. صورة النكبة تطغى على الحواجز العسكرية، صورة النكبة تتجسد في توسع الاستيطان وابتلاع الأرض الفلسطينية، صورة النكبة تظهر في جبين الصحفية شيرين أبو عاقلة التي اغتالتها قوات الاحتلال في مخيم جنين. صورة النكبة تتجلى في حرق عائلة دوابشة. صورة النكبة تتمثل في نظام الأبارتهايد المفروض على الشعب الفلسطيني. صورة النكبة ستبقى شاخصة في مخيلة الفلسطينيين في مخيمات اللجوء، في مخيم جنين والدهيشة وبلاطة والنصيرات واليرموك وعين الحلوة وصبرا وشاتيلا. وفي فجر كل يوم، يصحو الفلسطينيون على صورة جديدة من صور النكبة. هذه هي فلسطين، فلسطين النكبة أو النكبة هي فلسطين.. الفرق هنا ليس مهماً، ولكن الأهم هو أنه بعد 74 عاماً ما زالت فلسطين تقاوم وتصمد وتنتظر الحرية.

* معهد فلسطين لأبحاث الأمن القومي