الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 22 كانون الثاني 2022

في أعمال أسد عزّي.. الهويّة وإرثها إطارًا وموضوعًا

مليحة مسلماني*

 

 

 

تمثل الهوية، بصورها المتنوعة السياسية والثقافية، وبمستوييْها الذاتي والجمعي، موضوعًا رئيسًا في أعمال الفنان أسد عزيّ (من فلسطينيي 48)، بحيث يعالج الفنان تشكيليًا وتحت بند "الهوية" مواضيع يطرحها كأسئلة مركبة حول الذات والآخر. ومن بين المسائل التي تشغل أعماله: التاريخ، وتاريخ الفن، والأمومة، والمكان، والذاكرة والتراث، والأحداث السياسية، والجسد، والعلاقة بين الرجل والمرأة. ولا تنفصل هذه القضايا عن بعضها في اللوحة الواحدة، إذ يقوم الفنان بتهجينها لصياغةٍ بصريةٍ لهوية مركّبة، جمعية ـ خاصة، وسياسية ـ ثقافية، لكنها وعلى تركيبها، تستمد وجودها من رافد أساسي هو الخلفية الفلسطينية ـ الدرزية ـ العربية ـ الإسلامية التي ينحدر منها؛ فقد ولد عزّي في مدينة شفاعمرو التي يعيش فيها كل من الدروز والمسلمين والمسيحيين، لذا تزخر العديد من أعماله بتكوينات ورموز وزخارف يستلهمها من التراث المتنوع، الحضاري والديني والشعبي، الذي تعايش وتراكم في فلسطين على مرّ العصور.

التراث المرادف للهوية

يبرز التراث كموضوع رئيس وكإطار للوحة وبشكل ملفت في أعمال أسد عزي؛ وينتقل التراث من كونه موضوعًا في أعمال الفنان المبكرة، ليستمر فيما بعد بحضوره كخلفية للوحة أو كإطار تشكلّه لذاتها؛ ففي سلسلة من أعماله المبكرة يحشد الفنان عناصر ورموز من التراث المتنوع، كالفخار والمزهرية والعين والزهور والطيور والحلي والمطرّزات والزخارف التقليدية، فيكوّن التراث بحد ذاته موضوعَ العمل ومضمونه. يصوّر الفنان الموضوع التراثي في أعماله كحلم أحيانًا، يصبح بعد تشويه الرواية التاريخية للمكان الفلسطيني على يد المستعمر، بعيدًا وشبه مخفيّ وغير واضح المعالم، في دلالة على التهديد باندثار التراث، الممثّل لجذور الهوية، في ظل السيطرة الإسرائيلية على الأرض والسعي المستمر إلى طمس تاريخ ووجود الفلسطينيين عليها.

التراث حاميًا وتجميليًا

في إحدى لوحات الفنان تظهر في مركز أعلى العمل قطعة حليّ تقليدية ذهبية اللون تشكّل بؤرة جذب لعين الرائي، في حين يبدو على الأرضية الحمراء للوحة تكوين لزخرفة غير واضح تمامًا ويبدو كجزء بارز من خلفية اللوحة؛ يحتمل اللون الأحمر، كلون ناريّ، معاني العشق والتضحية والغضب والثورة، وهي المفاهيم والمبادئ ذاتها التي تحيط بالهوية العربية والفلسطينية. يؤطّر الفنان اللوحة بزخارف متكررة من الزهور والأشكال الهندسية، فتشغل المصفوفات التراثية بذلك دور الإطار الحامي والمجمِّل للوحة وهي في ذات الوقت جزءًا منها، وليست إطارًا منفصلًا عنها أو مضافًا إليها.

لوحات أسد عزّي ذات الإطار الذاتيّ تجسّد تأكيدًا على الهوية الثقافية ذات الإرث والتاريخ المغايِر لما تفرضه وما تحاول الترويج له الثقافةُ الصهيونية الغربية النمط، والمهيمنة في الوسط الإسرائيلي الذي يقيم ويعمل ضمنه الفنان؛ فعادة ما يحيط باللوحة إطار خشبي أو معدني ليحميها ويجمّلها، فالهدف من الإطار هو الحماية والتجميل، لكن الفنان يحيل هذا الدور للتراث الفلسطيني بمختلف عناصره الشعبية والإسلامية. لوحات أسد عزّي المؤطرة ذاتيًا بموتيفات من التراث هي تمثيل بصري لهوية تستند إلى إرثها الثقافي، فموضوعها هو ذلك الإرث ذاته، والذي تُبرزه وتحييه وتعيد الاشتغال عليه وتتخذه إطارًا أيضًا، فالميراث الثقافي هو موضوع الهوية، وهو إطارها الذي يحميها ويجمّلها، وهو المسافة التي تلزمها للحفاظ على ذاتها وسط منظومة تهدّد وجودها.

يستعير أسد عزّي موضوعه في مجموعة أخرى من أعماله، وهي متوالية "الأم والابن"، من التراث الأيقوني المسيحي، وهي مجموعة تحتوي اشتغالًا مختلفًا على مضامين التراث عن الأعمال السابقة للفنان؛ تصور إحدى اللوحات السيدة العذراء وابنها المسيح بأسلوب تعبيري لا يعير اهتمامًا لدقة التفاصيل والملامح أو لجمالياتها التي تألفها العين في الرسومات الكلاسيكية التي تصورهما، غير أنه يُبقي على الهالة النورانية البيضاء تحيط برأسيهما والتي تحيل إلى القدسية. يوظف الفنان هذه الاستعارة لأيقونة العذراء والمسيح ليخلق بها مشابهة بصرية ـ مضامينية بين الأيقونة التقليدية وعلاقته هو بأمّه؛ كأمٍّ ريفية عادية، غير أنها استثنائية أيضًا، فهي مريم ـ اللاجئة الفلسطينية، وكذلك يصبح الفنان نفسه في اللوحة الطفلَ ـ الكبير ويأخذ مكان المسيح في الأيقونة.

المسيح ـ المُخلّص

يظهر الاشتغال على الإرث الثقافي في أعمال أسد عزّي في سلسلة أخرى بعنوان "المسيح"، تصوّر رجلًا فلّاحًا قادمًا على ظهر حمار بأبعاد مختلفة، وفي أماكن مختلفة، بأساليب طباعية ولونيّة وفوتوغرافية. تطرح تلك الأعمال العديد من الأسئلة حول هذا الفلاح؛ فهناك "مسيح اليهود"، إذ تذكر الميثولوجيا اليهودية أن المسيح سيأتي على ظهر حمار أبيض في نهاية الزمان ليقيم "الهيكل الثالث"، وهناك المسيح الذي صُوِّر في الفن المسيحي داخلًا من بوابة القدس على ظهر حمار. والفكرة ذات مرجعيات إسلامية أيضًا، تحيل إلى المهدي والمسيح المنتَظَرَيْن عند المسلمين واللذيْن سيأتيان في آخر الزمان حيث سيحقّقان العدل والسلام على الأرض.

يتخفّى بين سطور تلك الأعمال حسٌّ من السخرية السوداء، وهي ليست سخرية من فكرة المخلّص بل تعبير عن شعور عميق بالمرارة من الوضع الفلسطيني والإنساني العام، والذي يبدو في انتظاره المستمر للخلاص عالقًا بين مأساة يتخلّلها الكثير من الأحداث الدموية، وملهاةٍ تقترب من العبثية بحروبها وصراعاتها التي لا تنتهي.

يافا القديمة "الحديثة"

يقيم أسد عزّي في مدينة يافا التي تشكل أيضًا أحد مواضيع بحثه التشكيلي والهوياتي، وهي المدينة التي لا زالت تصرّ على بعض الحضور القديم أبنيةً وذاكرةً وأسلوبَ حياة، يشهدُ وجودها على مركزيتها الثقافية قبل النكبة في فلسطين، وعلى تهميشها الحاضر المتعمّد والمتاخم لتل أبيب ـ كمدينة مركزية في "الدولة الاستعمارية الحديثة". فمن خلال الرموز والتكوينات التي تتضمّنها لوحاته، خرائط بناء البيوت القديمة والصور والوثائق، يستحضر الفنان من الذاكرة المكان والشخوص والحياة التي كانت في المدنية الفلسطينية، ليقدم تصويرًا للمدينة موزعةً بين حالتين: يافا القديمة، وتلك الحديثة المهدّدة هويتها بالأسرلة.

هكذا هي يافا تقف منذ عام 1948 لا تكبر ولا تكتمل هويتها؛ طفلةً ترتب ألوانها استعدادًا للرسم ولكن لحظة الرسم لا تأتي لتكتمل اللوحة، وامرأةً من النساء الأوائل يحتفظن بالحب والجمال البدائي. يختزل العمل بسرديته البصرية والنصية إشارات الى المخيلة الاستعمارية الإيروتيكة عن عالم الشرق، والتي تظهر في رسومات الفنانين المستشرقين للنساء من البلدان العربية، وفي صور التقطها لهنّ مصورون أوروبيون خلال القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين.

أخيرًا، تمثل مسيرة أسد عزّي التشكيلية، والممتدة منذ سنوات الثمانينيات، تجربة رائدة وذات أسلوب مميز في الحركة التشكيلية الفلسطينية بعامّة، وفي المشهد التشكيلي الفلسطيني في فلسطين المحتلة عام 1948 بخاصّة. ولعل أكثر ما يميز هذه التجربة قدرتها على ربط المسائل السياسية والثقافية، والخاصة والعامة، في مشهديّة بصرية واحدة، تعكس تعقيد الواقع في فلسطين وفي العلاقة بين الشرق والغرب. تتميز هذه التجربة أيضًا بالجرأة في طرح مواضيع حسّاسة ومختلفة، وبالنقد الدائم لمفاهيم تتعلق بالهوية، والصراع، والفن، والتاريخ، والجسد، والرجولة والأنوثة.

كاتبة وناقدة فنية فلسطينية*