الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 20 كانون الثاني 2022

من النقب إلى الشيخ جراح.. دولة التطهير العرقي

باسم برهوم

بالنسبة لإسرائيل فإن سياسة التطهير العرقي هي عملية "إثبات وجود"، فلا يمكن أن تعيش هذه الدولة، التي تم تأسيسها انطلاقا من فكرة عنصرية عرقية، من دون ممارسة طرد الآخر، وفي سياق هذا الطرد يتم ارتكاب كافة أشكال الجرائم، مذابح ومجازر، تدمير وحرق وتفجير قرى وبلدات وأحياء، ونسف منازل، واقتلاع وحرق أشجار. وفي قراءة سريعة لتاريخ إسرائيل، سواء قبل أو بعد إنشاء الدولة، نلاحظ أنه لا يمر يوم دون ارتكاب واحدة أو أكثر من هذه الجرائم المشار إليها، لذلك تبدو سياسة التطهير، وفي هذا السياق التاريخي وكأنها بالفعل عملية إثبات وجود.

 القادة المؤسسون للحركة الصهيونية ولإسرائيل من هرتسل إلى وايزمان وبن غوريون جميعهم رفضوا رفضا قاطعا ألا يكون اليهود أغلبية في دولتهم، لذلك رفضوا أي تسوية لا تقود إلى دولة يهودية بأغلبية يهودية واضحة، وانطلاقا من هذا المبدأ فإن إسرائيل كانت وستستمر ماكينة متوحشة لا ترحم للتطهير العرقي. ويمكن التذكير بموقف بن غوريون بعد صدور قرار تقسيم فلسطين عام 1947, فعندما اكتشف أن اليهود كانوا أقل من نصف سكان الدولة التي قررتها الأمم المتحدة لتكون دولة يهودية، نفذ بلا رحمة خطة "دالت" للتطهير العرقي وشرد خلالها أكثر من 800 ألف فلسطيني ودمر 500 قرية وبلدة فلسطينية ومسحها تماما عن وجه الأرض لكي لا يترك مجالا لعودة المشردين.

ما يجري في منطقة النقب جنوب فلسطين، وفي حي الشيخ جراح في القدس هو استمرار لسياسة التطهير العرقي. إسرائيل العنصرية لا تستطيع أن ترى النقب، الذي يمثل نصف مساحة فلسطين التاريخية (14000 كيلومتر مربع)، أن يكون فيه أكثرية فلسطينية عربية. والأمر ذاته بالنسبة للقدس، فهي لا تحتمل أن يكون أكثر من ثلث سكان القدس الموحدة عربا وأن شرق القدس (القدس القديمة التاريخية) بأغلبية عربية.

علينا أن نبني سياساتنا ومواقفنا ونضع إستراتيجياتنا ونمارس كل ذلك انطلاقا من كون الصراع هو صراع وجودي ليس نحن من فرض هذه المعادلة بل هم... نعم هم من أصر على أن يكون الصراع وجوديا، لأنهم يصرون على اقتلاع وجودنا، فمن يصر على يهودية الدولة فإنه ينفي وجود الآخر ويتنكر تماما إلى حقوقه الوطنية التاريخية.

لماذا يصرون على فرض صراع وجودي على عكسنا نحن؟ وهنا يمكن التذكير كيف استقبل  الشعب الفلسطيني في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين المهاجرين اليهود من روسيا وشرق أوروبا، حيث كان اضطهاد اليهود على أشده، لقد قدم الفلسطينيون، وباعتراف هؤلاء المهاجرين، كل أشكال المساعدة الإنسانية. لم يأخذ الشعب الفلسطيني موقفا حادا من اليهود وهجرتهم إلى فلسطين إلا بعد أن اتضح له خطر المشروع الصهيوني العنصري على وجوده في وطنه.

وحتى في ذروة الثورة الفلسطينية في نهاية ستينيات القرن العشرين طرحت فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية فكرة الدولة الديمقراطية التي يعيش فيها سكانها جميعا، عرب ويهود على قدم المساواة. ولاحقا في عام 1993 اعترفت المنظمة بإسرائيل في إطار اتفاقية أوسلو بهدف تحقيق حل الدولتين وإنشاء دولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من حزيران/ يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية. مقابل كل هذه المرونة والقبول الفلسطيني بإسرائيل، واصلت الحكومات الإسرائيلية سياسة الاستيطان وسياسة التطهير العرقي، واصلت نفي الوجود السياسي الحقوقي للشعب الفلسطيني كما تنكرت ودمرت منهج اتفاقيات أوسلو الذي اضطرت من خلاله إلى الاعتراف الجزئي بالشعب الفلسطيني وحقوقه، ولاحظنا كيف مثل اغتيال رئيس حكومتها رابين عام 1995 مدخلا للانقضاض عل الاتفاقيات ومواصلة سياسة التطهير العرقي بكل وحرية وعنصرية.

علينا أن ندرك أن إسرائيل ما دامت تحتفظ بجوهرها الصهيوني العنصري، وتصر على أنها دولة اليهود وحدهم، لن تكون ديموقراطية ولا شريكا حقيقيا للسلام. إن ما جرى فجر أمس الأول في الشيخ جراح، عملية اقتلاع عائلة صالحية الفلسطينية المسالمة وتدمير منزلها، هو جريمة حرب وتطهير عرقي بشع. وإن ما يحصل في النقب ما هو إلا عملية تطهير عرقي ممنهجة لتهويد هذه الأرض الفلسطينية العربية منذ آلاف السنين.

المشكلة هي في هذا العالم الذي لا يريد أن يرى في إسرائيل دولة تطهير عرقي عنصري، ولا يزال يعتقد أنها الدولة "الديمقراطية" الوحيدة في المنطقة. هناك بدايات إيجابية ملموسة، هناك بدايات صحوة ترى أن إسرائيل ما هي إلا جوهر عنصري ولا سياسة لها إلا سياسة التوسع والتطهير العرقي. أما العقبة هي في تلك الدول الاستعمارية التي تنظر إلى إسرائيل أنها ابنها الاستعماري الأهم، فهؤلاء شركاء في جرائم إسرائيل.