عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 20 كانون الثاني 2022

زرعين.. رواية المكان

تغريدة الصباح- حسن حميد*

أشعر، وكلما وصل إلى يدي كتاب من داخل الوطن الفلسطيني المحتل، بأنني أطول قامة، وأكثر معرفة وتوهجا بما امتلكت، وأن قلبي يرقص فرحا، وأن عينيّ تجولان في بهجة وحبور عظيمين، ذلك لأن أسطر الكتاب تحمل ما يريح النفس ويطربها، فحديثها الغالب هو حديث يدور حول الأمكنة (القرى والمدن والبراري والدروب والأنهار والغابات والجبال والتلال والأودية)، وهو الحديث الذي يوافق أحلامنا ويواقفها ويشيل بها، نحن أبناء المنافي، كي نعرف المكان وأسراره، والمكان وما طرأ عليه من تغيرات وتحولات بسبب يد العدو الآثمة التي عبثت به حد التدمير والمحو، وهو الرمز النبيل الذي بني بعرق الآباء والأجداد، وبعقولهم التي استمدت من شروق الشمس شروقها الحضاري، وغالبا ما يكون طي هذه الكتب القادمة من الوطن المحتل أشكالا وصنوفا متعددة ومختلفة من وجوه المعاناة اليومية مع العدو الصهيوني، لأن المواجهات معه منذ عام1917 وحتى اليوم، سيلت دما كثيرا وغاليا، ووسعت أرجاء الحزن والألم والمقابر في آن، وأخذت الكثيرين من أهلنا في متوالية جيلية إلى العالم السفلي، عالم السجون والمعتقلات، فاجتمع فيها أجداد وآباء وأبناء وأحفاد، وهذا لم يحدث في أي بقعة مكانية في العالم الدنيوي.

 أقول هذا استهلالا للحديث الوجيز عن رواية الكاتب الفلسطيني صافي صافي (زرعين) التي انهمت بالمكان الفلسطيني الذي افتكه الإسرائيلي من أيدي أهله، افتكاكا دمويا باطشا، فجعله ركاما يساوي في صمته وعزلته المقابر، ولكن لم يتفطن، هذا العدو البغيض، إلى أن طي هذا الركام ثقافة وطنية راسخة على مجد تليد، هي ثقافة الآباء والأجداد الذين بنوا القرى لتجاور الأودية والجبال والأنهار والبحيرات والغابات، ثقافة تتحدث عن الأيدي البانية التي جعلت الأرض لوحات جمال تضاهي جمال لوحات الغيوم والرعود والبروق والأمطار والنجوم التي تباهي بها السموات.

الرواية (زرعين) بطلها البادي هو المكان، والراوي الذي يتحدث عنها هو الذاكرة، بل ذواكر هؤلاء الرجال، على اختلاف أعمارهم، الذي مضوا في مسير وطني  نحو قرية (زرعين) لمعرفة ما يقوله  ركامها بعد أن دمرها الاسرائيلي، في لحظة وحشية (وما أكثر لحظات وحشية الإسرائيلي، وما أطول بشاعتها) ليعرفوا الروح الاجتماعية التي كانت، والهوية الوطنية المتجلية رغم التدمير، والثقافة الشعبية التي تنطق بها أبواب البيوت المكسرة، وما تهمهم به الدروب الذاهبة إلى الحقول والكهوف وعلوات التلال والغدران والينابيع؛ فالذاكرة في هذه الرواية هي التي تروي (عبر تعددية الأصوات) ما أفصح عنه زمنان، أولهما هو الماضي وما فيه من عزة الفعل وجبروته، وقد غدا حقولا، وجداول ماء، ودروبا، وبيوتا حجرية هي أشبه بالقلاع، وأشجار ظليلة مديدة بأفيائها وثمارها، وما عرفته وجمعته من حكايات وأسرار، وثانيهما، الزمن الراهن الذي يريده الإسرائيلي زمن قطيعة معرفية، يغادر فيه الفلسطيني تاريخه، وهويته بعدما خرب المكان تماما مثلما تخرب أعشاش الطيور.. لكن المسير (العودة المحتشدة بالبكاء والأمل معا إلى  زرعين المدمرة بطشا بالألغام والقنابل والبلدوزرات)، يعيد تعمير الذاكرة وتأثيثها ليس بغنى الماضي وروح الحاضر فحسب، وإنما تعميرها وتأثيثها بغنى الأحلام التي تتقد أكثر فأكثر من جيل إلى جيل.

إن مشهدية مواجهة القرية/ الركام، هي مشهدية عناق لا يعرف أسراره إلا العشاق، فكل حجر، وبوابة، ومغارة، وشجرة، وحاكورة مهجورة، وجرة مكسورة، ودرب التهمته الأشواك، وبلاطة صخرية كانت لنشر سليقة القمح، وناقوعة صخرية عميقة، وقنطرة محنية على الحنين، وشباك صغير محتشد بالنداء، وجدار ترهج حجارته بالزرقة المضيئة، وأعشاب تعاود الخصب في كل ربيع متفقدة أهلها، كما أنها مشهدية لأصوات خفيضة، ولكنها مسموعة، تحوم بها أغصان الأشجار وتنادي بحرقة كاوية (ياهلي، ياهلي)، وبقايا مئذنة مبنية من الآجر، وبقايا لبرج جرس الكنيسة الدانية من البيوت والغابة، وبقايا لكلمات مكتوبة على الجدران حروفها عطشى، وبقايا مرايا جاورت الأبواب. مشهدية، (وفي لحظة امتلاء العيون بالدموع، وهم يدفنون رماد رفات لأحد أجدادهم، احتفظوا بها سنوات) تزيح البطش والخراب وتنحيه.. وتبدي لقاء أهل القرية بما تبقى من القرية، وهو كثير؛ لقاء لا صورة تشبهه سوى صورة عناق لعاشق، أضناه الشوق، لمحبوبته التي صارت بين ذراعيه غيوما مرسلات وفرحا وزقزقة طيور ووشوشات آسرة.

رواية (زرعين) رواية مترعة بالحنين، والشوق، والدمع، رواية تجهر بأن العودة آتية لا ريب، وأن في مجالسة الماضي (حتى لو كان خرابا) تتجلى معطيات الراهن، كيما يرسم أهل القرية المسار الأتم نحو الآتي من الأيام.

--------------

* كاتب فلسطيني في دمشق

[email protected]