الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 08 كانون الأول 2021

ماموس آخر.. الآن!

تغريدة الصباح - حسن حميد *

كثيرون بيننا، لا هم لهم سوى الانتقاد المجاني، أي الانتقاد الذي لا يرى ما هو جوهري في الأفعال السلوكية والأعمال العقلية، ويظل يدور، مثل خذروف، حول الأشياء والأفعال والأعمال لكي يرى عيبا فيها فيصير العيب مرآتها.
أيام الأساطير، كان بين الآلهة (ماموس) ابن الليل والنوم، وما كان له من عمل سوى انتقاد ما يسمعه وما يراه وما يدركه، فقد تنافس بعض الآلهة (نبتون، وفولكان، ومنيرفا) لنيل جائزة المهارة، نبتون (إله البحار) صنع ثورا، ومنيرفا (إلهة الحكمة) صنعت بيتا، وفولكان (إله النار والحدادين) صنع إنسانا، وطلب من (ماموس) ليقرر مزايا ما صنعوا، ولمن تكون الجائزة، وحين تكلم لام الجميع، قال إن (نبتون) لم يكن ماهرا لأنه لم يضع قرني الثور في مقدمة جبهته، ولو فعل ذلك لكانت نطحة الثور أقوى، وقال إن (منيرفا) اقترفت غلطة في صنع البيت، فهو غير قابل للتحريك لأنها نصبته بين جيران سيئين، وإن (فولكان) هو الأسوأ لأنه لم يضع نافذة في صدر الإنسان بحيث يمكن رؤية أفكاره، بل حين لم يجد عيبا في شخصية (فينوس) إلهة الجمال، شكا من الضجة التي يثيرها نعلاها الذهبيان، لذلك طرد من (الأولمب) مقر الآلهة.
كثيرون بيننا، باتوا (ماموسات) جددا، ينتقدون لمجرد الانتقاد، وهم لا يمتلكون المعرفة، وإن امتلكوها فهم لا يعرفون التصرف بها كما ينبغي ويليق بالحس الإنساني السليم، لأن قراراتهم لا تعرف الحكمة. فلا شيء يبدو جميلا في عيونهم حتى لو كان نشيدا كتبه المطر، ولحنته الرياح، وأوقدت ما فيه من حماسة النفوس العظيمة، وحين يتحدثون عن الأمس، يتحدثون عن الأغلاط من دون ذكر أسبابها وما أحاط بها من ظروف، وحين يتحدثون عن اليوم يتحدثون بلغة الشكاية واللوم والعجز، وحين يتطلعون إلى الغد، يلبسون النظارات السود فلا يرون في الدنيا أنهارا أو بحارا أو دروبا أو طيورا أو حتى غابات!
أمثال هؤلاء (الماموسات) يجعلون من كل فعل وعمل كتلة من العماء والإحباط واليأس وعدم الجدوى، وهم –في الحق- لا يقفون عند الجوهري، وإنما يقفون عند التفاصيل الهامشية التي طالتها أذية ما بأوصاف سمتها الأولى النقص، فيجعلون النقص صلب الجوهر، أو ربما عمود الكون الذي تدور حوله حياة الناس وأحلامهم.
هؤلاء ينسون الظروف العجيبة التي يبتدعها أهل القوة والنفوذ، لتصير أشراكا وأفخاخا ومعوقات تشبه تلك الأشراك والأفخاخ والمعوقات التي واجهت (أوديسيوس) في أثناء عودته إلى بلاده (إيثاكا) لأنه نسي أن يرفع الشكر للآلهة التي ساندته في انتصاره، هو ومن هم معه، في حرب طروادة، فعاقبته كي يمكث مدة زمنية طويلة، فيها الكثير من الصبر والرهق، وازت المدة الزمنية التي اقتضتها حرب طروادة حتى تبين خيطها الأسود من خيطها الأبيض.
لهؤلاء، أن يبصروا جيدا أن أمسنا لم يكن ندما وأغلاطا، ولا ضعفا وخوارا، ولا ارتماء في مربعات العجز، ونحن نقرأ في كتب التاريخ المدونة، وأخبار التاريخ المشفوهة، أن مواجهتنا للشرور والكواره، ومنها المشروع الصهيوني، كانت جادة ورجولية، منذ أن مست الأقدام الغريبة  أرضنا المقدسة، أيام كان الغرباء يأخذون صكوك تملك الأرض من الباب العالي، وما يؤكد هذا أن عيون الأجداد والآباء كانت مفتوحة على وسعها منذ الإعلان عن تصريح بلفور، وما تبعه من كواره، وأن يومنا الراهن ليس سلسلة أخطاء أو أغلاط، صحيح أننا لا نأتي بالمعجزات ولكننا نعيش معنى المواطنة في الوطن، ونعرف جيدا قداسة الأرض والتاريخ، وقد افتككنا من أيدي أعدائنا الكثير حتى غدونا في مواجهته تماما وفي كل شيء، وأن غدنا ليس عتمة ولا دخانا ولا ضبابا، غدنا الصباح، والضوء ورفرفة العلم، ونشيد المدارس والبيوت والشوارع: موطني، موطني.
--------
* كاتب فلسطيني في دمشق
[email protected]